قال رحمه الله تعالى: (يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهَ) . هنا أراد أن يبين متى يرون ربهم جل وعلا (يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهَ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، كَمَا يَشَاءُ اللهُ تَعَالَى) ، (كَمَا يَشَاءُ) إذًا مرده إلى ماذا؟ إلى مشيئة الباري جل وعلا، ولذلك نقول: الرؤية معقولة المعنى وأما الكيفية هذه غير معقولة المعنى. قوله: (يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهَ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ) . كما في (( الصحيحين ) )من حديث أبي سعيدٍ الخدري رحمه الله تعالى عنه وأبي هريرة رضي الله عنه، وفي أفراد مسلمٍ عن جابرٍ في حديث «إن الله يتجلى للمؤمنين» يعني في العرصات، والعرصات جمع عَرَصَة، وهي كل موضعٍ واسعٍ لا بناء فيه، جمع عَرَصَةٍ، وهي كل موضعٍ واسعٍ لا بناء فيه كالفَناء أو كالفِناء بكسر الفاء، وعَرَصَة الدار وسطها، وعرصات القيامة مواقف الحساب والعرض وغير ذلك، يعني قبل دخولهم الجنة هذه يُسمى عَرَصَات، يعني وقت ماذا؟ مواقف الحساب والعرض وتوزيع الصحف ونحو ذلك والميزان، فيرونه قبل أن يدخلوا الجنة كما قال تعالى عن المكذِّبين يوم القيامة: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] . {يَوْمَئِذٍ} أي يوم الدين {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6] ويرونه كذلك في الجنة هنا قال: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ} يعني يوم يقوم الناس لرب العالمين فيحجبون في العرصات، أليس كذلك؟ فهذا النص يُفهم منه إثبات الرؤية في العرصات يعني قبل دخول الجنة، لأن السياق يدل على ذلك {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} هو المشار إليه بقوله: {يَوْمَئِذٍ} . وذلك يوم يقوم الناس لرب العالمين قبل دخول الجنة فنفى كون الكافرين يرون ربهم {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وذلك قبل دخول الجنة، فدل على أنهم يرونه في العرصات.
قال هنا: وكذلك يرونه في الجنة كما قال المصنف هنا: (ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ) . (ثُمَّ) على بابها في الترتيب، ويدل على أن ثَمَّ تراخٍ بين الموضعين يرونه جل وعلا بعد دخول الجنة كما في حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «بين أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نورٌ فرفعوا أبصارهم فإذا الرب جل جلاله» . «فرفعوا أبصارهم» يرونه بماذا؟ بالبصر، والبصر هو حقيقة البصر «فرفعوا أبصارهم فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة» وهو قول الله سبحانه: {سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] . «فلا يلتفتون إلى شيءٍ من ما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم وتبقى بركته ونوره» . رواه ابن ماجة وغيره. إذًا يرونه في العرصات قبل دخول الجنة دليله {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} ، {يَوْمَئِذٍ} يعني {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وأما بعد دخول الجنة فهذا النصوص كثيرةٌ كما ذكرنا.