الصفحة 851 من 883

-أما المنافقون فإنهم يرون الله عز وجل في عرصات القيامة. ثم يحتجب عنهم ولا يرونه بعد ذلك، وفيه كذلك من التنكير والعقوبة، والمسألة فيها خلاف، والصواب كما ذكرنا أن المؤمنين والمنافقين هم الذين يرون ربهم جل وعلا، وأما ما استدل به المعتزلة وغيرهم من نفاة الرؤية من قوله سبحانه وتعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] . قال بعضهم: الباري جل وعلا لا يُرى. واستدل بهذه الآية، وذكرنا لكم قاعدة عند أهل البدع: أن المبتدع لا يمكن أن يأتي بقولٍ ثم يقول: هذا من عند نفسي، لا بد أن يتكأ على ماذا؟ على شيء يشتبه من كتاب أو سنة أو قول بعض السلف، فيتمسك بشيء من أجل أن يروج أن هذا مما جاء به الدليل، فنفوا الرؤية، الأحاديث الماضية والأدلة التي تدل على ذلك وهي خاصة، واستدلوا بهذه الرؤية بهذه الآية وبقوله لموسى عليه السلام: {لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] . قالوا: هذا نفيٌّ للرؤية.

وأما ما استدل به المعتزلة وغيرهم من نفاة الرؤية من قوله سبحانه وتعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} ، وقوله لموسى {لَن تَرَانِي} .

فالجواب أن الآية الأولى وهي قوله: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} . هذه دليل على جواز الرؤية، يعني هذا ما يُسمى بقلب قلب الدليل العكس، فيستدل به على نفي الرؤية نحن نستدل به على إثبات الرؤية.

فالجواب أن الآية الأولى هي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإن الله سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح، ومر معنا القاعدة {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} هذا نفي، والنفي المحض ليس بمدحٍ، إذًا لا بد من أن يدل على كمال ضده، وليس ثَمَّ هنا إلا الرؤية {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} قلنا: هذا نفي، والقاعدة أنه لا يأتي نفي محضٌ في القرآن البتة، يعني باعتبار صفة الباري جل وعلا، لماذا؟ لأنه يكون عدمًا، والعدم ليس بشيء فلا يكون مدحًا، إذًا لا بد أن يكون متضمنًا لشيء كمال ثبوت، فهذه الآية ذكرها الله تعالى في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح به، وهذا على القاعدة السابقة، فلو كان المراد بكونه {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} أنه لا يُرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصِّرف لا يُرى ولا تدركه الأبصار، إذًا استوى هنا وصف المعدوم وهو الذي لا يُرى ولا يمكن أن يدرك بالبصر وإذا أردنا بأن الباري جل وعلا أنه لا يُرى إذًا استوى الأمر فشبهناه بماذا؟ بالمعدومات إن نفينا الرؤية، فإن العدم الصرف لا يُرى ولا تدركه الأبصار، والرب سبحانه وتعالى يتعالى أن يمدح بما يُشاركه فيه العدم المحض، فإذًا المعنى أنه يُرى ولا يُدرك ولا يُحاط، حينئذٍ أراد بالنفي هنا نفي الإدراك، وهي الإحاطة من كل وجهٍ، فإذا قيل بأن المؤمنين يرون ربهم، هل معنى ذلك أن الرؤية تُحيط بذات الباري من كل وجه؟ الجواب: لا، إذًا هذا المنفي ما هو؟ المنفي هنا الإحاطة، وليس المنفي هو الرؤية ففرق بين الموضعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت