الصفحة 852 من 883

قال هنا: والرب سبحانه وتعالى يتعالى أن يُمدح بما يشاركه فيه العدم المحض، فإذًا المعنى أنه يُرى ولا يُدرك ولا يُحاط، فقوله سبحانه: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} . يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء وأنه لعظمته لا يُدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهي ممتنعة بحق الباري جل وعلا وهو قدرٌ زائد على الرؤية، كما قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا} [الشعراء: 61، 62] . فلم ينفِ موسى ماذا؟ فلم ينفِ موسى الرؤية ولم يريدوا بقولهم: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} . إنا لمرئيون، الإدراك شيء والرؤية شيء آخر، قد يراهم عن بعد لكن لا يُدركهم، أليس كذلك؟ أنت تراه عن بعد لكن لا تدركه، يعني لا تحيط به، فإن موسى السلام نفى إدراكهم إياه لقوله: {كَلَّا} وأخبر أنه لا يخاف دركهم بقوله: {لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77] فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب يُرى ولا يُدرك كما يُعلم ولا يُحاط به، وهذا الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية.

قال ابن عباس: لا تدركه الأبصار لا تحيط به. إذًا هذا أشبه ما يكون بماذا؟ بتفسير للرؤية، ما المراد بالرؤية؟ أنهم يرون ربهم لا بإحاطةٍ، فهذه نفت ماذا؟ نفت الإحاطة، والأدلة السابقة دلت على أنهم يرون ربهم. إذًا لا تعارض بين الأدلة.

قال ابن عباس: لا تدركه الأبصار لا تحيط به. وقال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار. انتهى ملخصًا من (( حادي الأرواح ) ).

وأجاب بعضهم بقوله: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] أي في الدنيا وبأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته، والجواب الأول أولى.

والجواب عن استدلال بقوله لموسى: {لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] استدلالٌ فاسد والآية حجة عليهم، فإنها دالة على الرؤية من وجوه:

أحدها: أنه لا يُظَنُّ بموسى عليه السلام أن يسأل ربه ما لا يجوز عليه ... {أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} هل موسى عليه السلام لا يعلم بأن الله تعالى لا يُرَى مطلقًا لا في الدنيا ولا في الآخرة. قل؟ لا، يعلم بأنه يُرى، لكنه طلب شيئًا لا يجوز في الدنيا فحسب، فدل على أنه يُرى.

إذًا سؤال موسى عليه السلام دل على جواز إمكان الرؤية، ولكن نفى إمكانها في الدنيا، وجاءت الأدلة على أنه يُرى في الآخرة. إذًا أنه لا يظن بموسى عليه السلام أن يسأل ربه ما يجوز عليه.

الثاني: أنه لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالًا لأنكره عليه. أليس كذلك؟ لم ينكر السؤال وإنما قال: {لَن تَرَانِي} فدل على ماذا؟ على أنه لن يراه في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت