الصفحة 853 من 883

الثالث: أنه أجابه بقوله: {لَن تَرَانِي} ولم يقل إني لا أرى، لو كان لا يرى قال لا أرى، لكن قال: {لَن تَرَانِي} أو لا تجوز رؤيتي فهذا يدل على أنه يرى ولكن موسى لا تحتمل قواه رأيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤية تعالى إلى غير ذلك من الوجوه الدالة على أن الآية فيها إثبات الرؤية. إذًا ما استدل به أهل البدع من المعتزلة وغيرهم من نفي الرؤية بقوله: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} ، وبقوله لموسى: {لَن تَرَانِي} قلبنا الدليل عليهم فدلت هاتان الآيتان على الرؤية على الوجه الذي ذكرناه مع ما جاء من الأحاديث الدالة على إثبات الرؤية، ولو جاء نص واحدٌ لكفا كما هو عقيدة أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات والأسماء، والأحاديث تلقاها المسلمين بالقبول من لدن الصحابة والتابعين حتى حدث من أنكر الرؤية وخالف السلف.

قوله: (كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ) يعني يرون الله تعالى كما يشاء سبحانه وتعالى في كيفية رؤيتهم إياه، و (كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ) في زمن رؤيتهم إياه وفي جميع الأحوال، يعني على الوجه الذي يشاءه الله عز وجل في هذه الرؤية، فالأدلة دلت على ماذا؟ على أن المؤمنين يرون ربهم ولم تأت التفاصيل من حيث الزمن ومن حيث الكيفية، نقول: هذا لا نعلمه حينئذٍ هذه الرؤية لا نعلم كيفيتها، ونقول: كما نثبت الاستواء من غير كيفٍ كذلك هنا الشأن، بمعنى أن الإنسان لا يعلم كيف يرى ربه، ولكن معنى الرؤية معلومٌ أنهم يرون الله تعالى كما يرون القمر لكن على أي كيفية هذه نقول: الله أعلم بل كما يشاء الله. (كَمَا يَشَاءُ) أي من غير إحاطةٍ ولا تكييف كما نطق بذلك الكتاب وفسرته السنة على ما أراد الله سبحانه وعلمه، فكل ما جاء في الكتاب والسنة فهو كما قال، معناه على ما أراد ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: آمنت بالله على ما جاء من عند الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

إذًا هذا ما يتعلق بما يجب اعتقاده من جهة رؤية الباري جل وعلا وأنه يرى عيانًا بالأبصار في العرصات وفي الجنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت