الشيم والطباع في الانقياد الذي لا ينتظم بأحدهما ولا يستديم إلا بهما فلذلك صار الدين بهما مستقرًا والصلاح بهما مستمرًا.
والخصلة الثالثة: أنه عدل فيما شرعه من الدين عن الغلو والتقصير إلى التوسط وخير الأمور أوساطها وليس لما جاوز العدل حظ من رشد ولا نصيب من سداد.
والخصلة الرابعة: أنه لم يمل بأصحابه إلى الدنيا ولا إلى رفضها وأمدهم فيها بالاعتدال، وقال:"خيركم من لم يترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه"وهذا صحيح لأن الانقطاع إلى أحدهما اختلال والجمع بينهما اعتدال.
وقال صلى الله عليه وسلم:"نعم المطية الدنيا فارتحلوها تبلغكم الآخرة"وإنما كان كذلك لأن منها يتزود لآخرته. ويستكثر فيها من طاعته وأنه لا يخلو تاركها من أن يكون محرومًا مضاعًا أو مرحومًا مراعى وهو في الأول كل وفي الثاني ومستذل.
والخصلة الخامسة: تصديه لمعالم الدين ونوازل الأحكام حتى أوضح للأمة ما كلفوه من العبادات وبين لهم ما يحل وما يحرم من مباحات ومحظورات وفصل لهم ما يجوز ويمتنع من عقود ومناكح ومعاملات.
حتى احتاج أهل الكتاب في كثير من معاملاتهم ومواريثهم لشرعه ولم يحتج شرعه إلى شرع غيره ثم مهد لشرعه أصولًا تدل على الحوادث المغفلة ويستنبط لها الأحكام المعللة فأغنى عن نص بعد ارتفاعه وعن التباس بعد إغفاله ثم أمر الشاهد أن يبلغ الغائب ليعلم بإنذاره ويحتج بإظهاره فقال صلى الله عليه وسلم:"بلغوا عني ولا تكذبوا علي فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه مني".
فأحكم ما شرع من نص أو تنبيه وعم ما أمر من حاضر وبعيد حتى صار لما تحمله من الشرع مؤديًا ولما تقلده من حقوق الأمة موفيا لئلا يكون في حقوق الله زلل وذلك في برهة من زمانه لم يستوف تطاول الاستيعاب حتى أوجز وأنجز وما ذاك إلا بديع معجز.