الفصل الثاني
تعريف الخلافة وخصائصها لدى الفقهاء والمتكلمين
كان مدى ما بلغناه في ما سبق ما رأيناه صوابا، عنوانا للنظام السياسي الإسلامي، وهو مصطلح الخلافة؛ على أن تكون بمنهاج النبوة كما عبر عن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى 38، وكما طُبق واقعا ملموسا في عصري البعثة والخلافة الراشدة.
إلا أن هذه المعاني التي دل عليها التعبير النبوي وأشار إليها القرآن الكريم وبنت نموذجها السنة العملية، لم يستوعبها قط مصطلح الخلافة لدى الفقهاء والمتكلمين.
ولكي تتضح الصورة ينبغي بحث تعريفهم لها، وبيان الأسس الفقهية التي بنوا عليها تنظيرهم لنظمها وخصائصها وسماتها.
في مقدمة ما عرف به الفقهاء الخلافة، يبرز ما أورده أحد أقطاب الرعيل الأول وهو الماوردي [1] بقوله:"الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسية الدنيا"، وقوله [2] :"هي تفويض إلى إمرة سلطان مسترعى ينقاد الناس لطاعته، ويتدبرون بسياسته ليكون بالطاعة قاهرا".
كما عرفها التفتازاني بأنها [3] :"رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -".
وقال عبد الرحمن الإيجي: [4] "قال قوم: الإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا، ونُقض بالنبوة. والأولى أن يقال: هي خلافة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في إقامة الدين يجب اتباعه على كافة الأمة. وبهذا القيد يخرج من ينصبه الإمام في ناحية، والمجتهد والآمر بالمعروف".
أما ابن خلدون [5] ، فيفرق بين الخلافة وبين الملك الطبيعي وبين الملك السياسي بقوله:"الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والملك السياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة. فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا".
وفي كتاب"الخراج" [6] عدها أبو يوسف خلافة عن الله؛ إذ قال:"إن الله بمنه ورحمته جعل ولاة الأمور خلفاء في أرضه، وجعل لهم نورا يضيء للرعية ما أظلم عليهم من الأمور فيما بينهم".
وعدها أبو الحسن الأشعري خلافة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال عند حديثه عن خلافة أبي بكر [7] :"أطبقوا على البيعة له والانقياد لإمامته والركون تحت رايته، واتباع أمره، وقالوا له يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز أن تجمع الأمة على خطأ."
وفي كتاب"الاقتصاد في الاعتقاد"عقد الغزالي فصلا كلاميا قال فيه: [8] "نظام الدين مقصود لصاحب الشرع عليه السلام قطعا، وهذه مقدمة قطعية لا يتصور النزاع فيها. ونضيف إليها مقدمة أخرى وهو أنه لا يحصل نظام الدين إلا بإمام مطاع ... وعلى الجملة لا يتمارى العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم،"
(1) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 5
(2) - تسهيل النظر للماوردي ص 4
(3) - تقريب المرام للتفتازاني ص 321
(4) - المواقف للإيجي ص 395
(5) - مقدمة ابن خلدون ص 191
(6) - الصفحة 11
(7) - اللمع لأبي الحسن الأشعري ص 20
(8) - الصفحة 147