المبحث الأول
التصور الإيماني وقانون الفطرة
الأصل في الإنسان السواء النفسي والعقدي، والفطرة السليمة التي يولد عليها المولود، وقد ألهمت رشدها في ضمير الغيب؛ وهذا معنى قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} الأعراف 172، ... {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} الشمس 7 - 10، {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} البلد 8 - 12، {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الروم 30.
هذه الفطرة هي التي يطلق عليها الوضعيون"الطبيعة"، وإن ضل سعيهم في تعريفها والرجوع إليها، واتخاذها مصدرا لتنظيم الحياة وترشيد التصرفات، فأطلقوا على ما يستنبطون من أحكامها مصطلح"القانون الطبيعي"؛ ثم تضاربت لديهم الآراء والسبل حول كيفية الاستفادة منها وجعلها مرجعا وملاذا.
ذهب اليونانيون إلى أن الكون يهيمن عليه نظام طبيعي ثابت، ولذلك فحياة الناس وعلاقاتهم تخضع بالضرورة لقوانين ثابتة ينبغي للعقل اكتشافها وتقعيدها؛ ثم بنوا على ذلك نظم الحكم الفردي المستند إلى قائد ملهم، له وحده القدرة على استمداد النور من العقل الفعال وتربية الرعية. وعندما ضاقت البشرية بهذا الاستبداد المتفلسف حاول الاجتهاد الأرسطي تخفيف وطأته، فقرر أن القوانين التي يضعها القائد الملهم ينبغي أن تحقق أهداف القانون الطبيعي المطعم بقواعد العدالة.