المبحث السادس
المصالح المرسلة
المصالح المرسلة أو الاستصلاح كذلك من الأدلة التبعية المختلف حولها. ومعناها الحكم بمقتضى المصلحة التي لا يشهد لها دليل خاص بالإلغاء أو الإثبات، ولا تتعارض مع مقاصد الشرع. وقد اقتضى استحداث هذا المصدر تطور الحياة وتوسع النشاط البشري بما يوجب التوسع في المصادر، لاستدراك ما لم يرد فيه نص وليس له نظير يقاس عليه.
إن أساس المصلحة الذي بني عليه هذا المصدر هو جلب المنافع ودرء المضار وسد الذرائع وضرورة استنباط أحكام جديدة لما يستحدث في الحياة من ضروب النشاط الإنساني بسبب تغير الأزمان والأحوال. لاسيما وقد ثبت بالاستقراء أن الشريعة الإسلامية تضمنت مصالح الناس {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء 107، {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} الجاثية 20، وأن العقول السوية تدرك هذه المصلحة، فإن خفيت فلما ران عليها من غبش الأهواء وتضليل المؤثرات. إلا أن هذه المصلحة ليست سائبة أو مائعة أو خاضعة لمقاييس غامضة، فالمصلحة المعتبرة شرعا لدى الفقهاء ترجع إلى خمسة أمور يجب حفظها، لأن بها قوام الدنيا والآخرة، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وكل ما يرجع إلى هذه الأركان الخمسة قسمه الفقهاء إلى ما هو ضروري لابد منه للحياة الصالحة وإلى ما هو حاجي يتعلق بالأعمال والتصرفات التي تتطلبها الحاجة إلى التوسعة ورفع الحرج، وإلى ما هو تكميلي أو تحسيني، يتعلق بما لا تتحرج الحياة بتركه ولكن مراعاته من مكارم الأخلاق أو محاسن العادات والطيبات. وكل ما يؤيد هذه الضروريات وتوابعها الحاجية والتكميلية يعد من المصالح المرسلة وإن على درجات من الأهمية، وكل ما ينافيها فهو مفسدة منعها بدرجة مستوى الضرر الواقع بسببها.