المبحث الخامس
الاستحسان
أدلة الفقه قسمان، أصلية وتبعية؛ فالأصلية متفق عليها بين جمهور الفقهاء، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. أما التبعية فمختلف في حجيتها ومجالها وقوة إلزامها في ميدان الأحكام الشرعية العملية، وإن كانت في مجال التشريع الشوروي العام أصلح وأجدى.
على رأس هذه الأدلة التبعية ما أطلق عليه الفقهاء مصطلحي الاستحسان والمصالح المرسلة، اللذين يستوعبان قضايا دينية، وأخرى دنيوية لا يمكن الرجوع في شأنها إلى نص أو إلى حمل على النص.
أول هذين الدليلين، وهو الاستحسان، عرفه الفقيه المالكي ابن رشد الحفيد بأنه في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة والعدل. كما عرفه ابن العربي المالكي بأنه إيثار ترك الدليل والترخيص بمخالفته لمعارضة دليل آخر في بعض مقتضياته، وأن هذا الترك يكون للعرف كما يكون للإجماع والمصلحة والتيسير ودفع المشقة. وعرفه ابن الأنباري، وهو مالكي أيضا، بأنه طرح لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه.
أما الحنفية فالاستحسان لديهم كما عرفه أبو الحسن الكرخي هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر أقوى يقتضي هذا العدول.
كل هذه التعاريف تكاد تلتقي في أن الاستحسان حكم إنشائي يخالف القياس الظاهر الذي هو إلحاق المسألة بنظائرها في الحكم. وتتمثل هذه المخالفة في أربع صور للاستحسان هي: الاستحسان القياسي الذي هو العدول عن القياس الظاهر إلى القياس الخفي ـ استحسان السنة وهو العدول عن القياس إلى حكم وردت به السنة ـ استحسان الإجماع وهو العدول عن القياس إلى حكم ثبت بالإجماع ـ