الفصل الرابع
مقاصد التشريع الشوروي
المقاصد جمع مفرده مقصد، اسم مكان من قصد مكسور عين المضارع، والقاف والصاد والدال أصول ثلاثة أولها يدل على التوجه إلى الشيء وإتيانه، والثاني كسر الشيء، والثالث الإكثار منه. وما يعنينا هو المعنى الأول الذي يفيد التوجه والإتيان. ومنه قوله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} لقمان 19؛ ويقال قصدته وقصدت له وقصدت إليه. والقاصد القريب، ومنه قوله تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ} التوبة 42، ومنه قولهم: بيننا وبين الماء ليلة قاصدة، أي هينة لا تعب فيها. والمقصد بهذا المعنى يقرب من لفظ"المورد"من"ورد"الشيء إذا أتاه وتوجه إليه. ومنه المصطلح المستحدث في الفقه الإسلامي"مقاصد الشريعة"، أي قصد الشارع من وضع الشريعة ابتداء، ومن وضعها للإفهام، ووضعها للتكليف بها، ووضعها لدخول المكلف تحت حكمها.
لقد خطت مسيرة فقه المقاصد أولى خطواتها بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعمليتي القياس والرأي اللتين أثمرتا ما دعاه أبو حنيفة"الاستحسان"، ثم تطور الاستحسان لدى المالكية إلى ما أطلق عليه"المصالح المرسلة"و"المناسب المرسل"و"الاستدلال المرسل"، ثم ابتدع الشاطبي"فقه المقاصد"الذي هو الوجه الثاني للمصالح المرسلة، إذ كاد الإجماع ينعقد على أن مقاصد الشرع هي تحقيق مصالح العباد في الدارين.
وظل هذا العلم الجديد الذي أودعه الشاطبي الجزء الثاني من كتابه"الموافقات"في زاوية النسيان إلى عصر أحمد بن أبي الضياف الذي تحدث عنه في كتابه"إتحاف أهل الزمان"، ثم الشيخ محمد عبده الذي أعاد إليه الاعتبار سنة 1884، فأوصى تلامذته بدراسته، وتمت طباعة الكتاب محققا وغير محقق، واهتم به المحافظون