وَالْخَيْرِ فِتْنَةً الأنبياء 35، وأن استقراء الشريعة يقتضي أن لا مصلحة إلا وفيها مفسدة وبالعكس وإن قلت [1] ، ولذلك وضعت على سبيل الامتزاج، فلا مصلحة إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها مشقة أو مفسدة، ولا مفسدة إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من اللطف أو نيل اللذات كثير. فإن كانت المصلحة هي الغالبة فهي مقصود الشرع، وإن كانت المفسدة هي الغالبة فرفعها هو مقصود الشرع [2]
وهذا التعريف منه للمقاصد غير دقيق ولا يكفي لاستبانة كنه المصالح المستجلبة والمفاسد المستدفعة، كما أن تعريفها بمجرد كونها مرجعا ووسيلة لحفظ المصالح يسمح بتعدد المسالك المفضية إلى إهدار النصوص وتسيب التشريع. فإذا أضفنا إليه قوله [3] :"ونحن إنما كلفنا بما ينقدح أنه مقصود للشارع لا بما هو مقصوده في نفس الأمر"يكون قد أجهز على النصوص بضربة لازب، وتحول الاستنباط الفقهي تحت حاكمية المقاصد إلى حاكمية ما ينقدح في الذهن، على اختلاف القدرات العقلية والعلمية للمستنبط، مما يفسح المجال للتسيب المطلق وتمزق المجتمع مللا ونحلا ومذاهب وأحزابا.
المبحث الثاني
الفردية في المقاصد الشاطبية
نظر الشاطبي إلى مقصد الشرع في حفظ الضرورات الخمس على أساس فردي، لا على أساس تحفظ به الأمة كاملة؛ وجميع مقاصد الشريعة لديه، ما تعلق منها بوضعها ابتداء أو إفهامها أو التكليف بها أو دخول المكلف تحت حكمها، خاص بحفظ الضرورات الخمس للفرد، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال على أساس أن حفظ الدين بمعنى التدين الفردي كما يتضح من سياق الدراسة، ومن قوله [4] :"فأصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود، كالإيمان والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج وما أشبه ذلك"، وإن أشار إشارات عابرة إلى وجوب الجهاد على الفرد مع الإمام البر والفاجر. وهذا الاتجاه الفردي في المقاصد يعد صدى لما كان سائدا آنئذ في الأندلس، من تداخل قيم أديان مختلفة، وتسربها إلى عادات المجتمع وأعرافه وتقاليده ونظمه، وتمازج ثقافات متنوعة المصادر والاتجاه، تزاوج فيها الفكر الإسلامي بغيره، وتحول بها إلى ناقل للتراث اليوناني، فأضعف هذا الدور ولاءه للإسلام، وموه على أصالة الشريعة وتميزها، وأضفى على الحياة الأندلسية صباغا يكاد يكون علمانيا في الفكر والتصرف؛ كما ساهم في بلورة هذا الوضع قيام أنظمة للحكم مستبدة على أهلها خانعة لعدوها، مغرقة في الضلال والتفسخ والانحلال، مما سرب اليأس إلى عقول العلماء وقلوب العامة، وألجأهم إلى محاولة التسديد والتقريب بين أحكام الشريعة وبين انحراف الواقع، بمحاولة حفظ الضرورات الخمس للفرد، وإهمال ما له علاقة بالشأن العام الذي هو كيان الأمة ونظام الدولة، وضرورة تنفيذ الأمر الإلهي الخاص بإخراج الأمة الإسلامية للناس. ولعل في إشارة الشاطبي إلى اتفاق
(1) الموافقات 2/ 30
(2) الموافقات 2/ 16
(3) الموافقات 2/ 20
(4) الموافقات 2/ 4