المبحث الثامن
تكامل المقاصد وتراتبها
لاشك أن أوامر الشريعة ونواهيها ونظمها تسير في اتجاه يحقق مقاصد متعلقة بوجود الإنسان في الأرض، وأن هذه المقاصد مرتبة على أساس تصاعدي يخدم البسيط فيه المركب والجزئي منه الكلي. والعمل الفقهي استقراء واستنباطا في ميدان العبادات والمعاملات والتشريع المأذون فيه، يبقى عملا مختلا ناقصا إذا لم يؤسس على اعتبار المقاصد وتحريها في بناء الأحكام ووضع القواعد، متناسقة متكاملة يعضد أدناها أعلاها من أسفل السلم إلى قمة المرقاة. ذلك لأن الدين الإسلامي نفسه كائن حي متحرك نحو غاية سامية ذات منهج رشيد، جسده الأمة الشاهدة وأعضاؤه مؤمنوها، وروحه العقيدة والتصور الإيماني السليم، وخطواته الشريعة الربانية ومقصده إتمام النور الإلهي، وغايته تحقيق العبودية المؤدية إلى مرضاة الله عز وجل.
ولئن قصر الشاطبي مقاصد الشرع على حفظ الضرورات الخمس، فإنه لم يستوف بذلك المقاصد الغائية لوجود الإنسان ونزول القرآن وفرض التكاليف، فأضحى منهجه ناقصا مبتورا؛ لأن المحافظة على الضرورات الخمس بحاجياتها وتحسينياتها، ليست إلا أداة من أدوات تحقيق المقصد الأسمى من الوجود البشري. فإن عادت المصالح الضرورية بالإبطال على المقصد الأسمى أهدرت المصالح الضرورية وثبت المقصد الأسمى.
ومن رحمة الله ولطفه وحجية تنزيله، أن جعل هذا المقصد الأسمى في غير حاجة إلى تنكب طرق علم الكلام والمنطق، أو استقراء المجملات والكليات والقواعد، مما ينوء به العقل الفطري العادي؛ وإلا لكان محل خلاف واختلاف وأخذ ورد وجدال يعصف بوضوحه وقوة إلزامه.
لقد جعل الله تعالى مقصده الأسمى الذي يسع جميع المقاصد الفرعية، صريحا بينا واضحا في قوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى