الفصل التاسع
موقع الأحكام السلطانية من الفكر السياسي الحديث
انطلق كتاب الفقه السياسي من قاعدة أساسية لديهم هي اعتبارهم سلطة الإمام ولاية عامة وذاتية.
هي عامة لكونها تُلزم الغير ولو لم يوافق، بطاعة أوامر صاحب الولاية، سواء كانت الأوامر لصالح هذا الغير أو لغير صالحه، وذلك لكونها مستمدة من الله، والإمام"ظل لله"كما وقر في أذهانهم.
وهي ولاية ذاتية يستمدها الإمام أيضا من قدرته على التغلب والتسلط والتخلص من مناوئيه، وإنْ كانت شكليا مستمَدَّة من استخلاف من قبله إن لم تكن غلابا واستيلاء.
وبمقتضى هذه الولاية يجب على الكافة ـ كما قال الماوردي [1] :"تفويض الأمور العامة إليه من غير افتيات عليه ولا معارضة له، ليقوم بما وُكل إليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال".
وهذا التفويض يحمِّل الأمة واجبين نحو الإمام، هما الطاعة للأوامر مهما حادت وانحرفت، والنصرة على عدوه ولو على باطل.
هذا التفويض المطلق للولاية العامة التي يمثلها الخليفة بشخصه وذاته، يشمل المكان والزمان والإنسان وتطبيق الشريعة وتدبير الأمر العام.
من حيث المكان: تشمل سلطته أرض الإسلام كلها. وبما أن وحدة البلاد هي الأصل كتابا وسنة، وهي المبدأ الذي ورَّثه العهدان النبوي والراشدي لمن بعدهما، فإن الفقهاء قرروا هذا المبدأ أول الأمر، وأفتوا بوحدة الإمامة وعدم جواز
(1) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 17