المبحث الرابع
رصيد التجربة الإنسانية
وتعني التجربة التاريخ الخاص بالأمة الإسلامية، والعام للإنسان، وما أنتج هذا التاريخ من عبر وعظات وتجارب وتقاليد وأعراف، ومنجزات في ميادين الاجتماع والسياسة والاقتصاد والقوة والعلوم والآداب. هذا الرصيد يعد تراثا مشتركا بين الأمم، ومصدرا مشاعا للتشريع الشوروي المأذون فيه. ترجع إليه الأمة إن رأت في ذلك مصلحة، وتستلهمه حلولا لبعض مشاكلها أو تطويرا لبعض مؤسساتها وترقية وضبطا لبعض تصرفاتها.
إن هذا الرصيد من التجربة والتاريخ والعلم بكل ما بلغته البشرية من تقدم وما حققته من اختراعات واكتشافات صناعية وبيولوجية وكونية، يعد ملكا عاما للإنسان ينبغي استثماره برشد وحكمة، وميراثا محترما مفيدا لأنه جزء من الماضي وأساس للحاضر وأداة لتطوير المستقبل. كما تمتاز القواعد المستلهمة منه بمرونة قابليتها الإلزامية وسهولة الانسجام معها ويسر الانضباط بها.
إن النظام الإسلامي الشوروي لا يتعارض مع هذا الاتجاه التاريخي مادام ذخيرة خبرة وعبرة يسترشد بصوابه ويتعظ بأخطائه، ومسبارا يقاس به على ضوء الكتاب والسنة مدى نجاح الممارسات والقواعد والقوانين أو فشلها. وإلى ذلك يشير القرآن الكريم بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} فاطر 44، {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} سبأ 15، 16.