الفصل الثامن
الخلافة الراشدة من خلال النظم السياسية الوضعية
عرف الفكر السياسي البشري اجتهادات كثيرة، لها من المثالب والنقائص، والاضطراب والتناقض ما حال بينها وبين تحقيق سعادة الإنسان؛ سواء في ذلك الفكر الوضعي، أو الفكر الديني سماويا محرفا كان أو وثنيا أو فلسفيا.
وما بلغنا من تراث في هذا المجال يوضح هذه الحقيقة بجلاء. فلدى الأمم الهندية كان المَلِك يعد مسؤولا عن حماية رعاياه وتكريس نظامهم الاجتماعي، ضمن عقد غير مكتوب، تمشيا مع حالة أسطورية لمخلوقات شبه إلهية، ونظام ديني يقسم البشر إلى طوائف متفاوتة القدر، تتوارث مقامات خاصة من قمة هرم السلطة إلى حضيض الفاقة والسُّخرة.
أما الفكر السياسي الصيني فقد اتسم ببعض التطور، ولكن الحكم فيه بقي بيد مَلِك يملك وحده بوسيلتي"الإقناع والتهديد"، من أجل تحقيق رفاهية الشعب.
كما أن مذهب الفكر الفرعوني في عقيدة"المَلِك الإله"أعلن أن فرعون هو"الإله حورس إله المساحات الشاسعة وإله السماء مثل الصقر"، الذي اتحدت فيه شخصيتان أسطوريتان تمثلان الوجه البحري والوجه القبلي. وأتباعه وحدهم هم البشر الحقيقي، وما عداهم من الأجانب والعبيد مجرد أشباه حيوانات لا حقوق لهم.
وفي الفكر الإغريقي رفع أفلاطون شعار"المَلِك الفيلسوف"، الذي يملك الحقيقة المستمدة من العقل الفعال المنبثق من واجب الوجود، ويرفه الأحرار من شعبه. أما الأجانب والعبيد فليس لهم إلا واجب خدمتهم للأحرار.
أما الفكر السياسي الروماني، فقد تبنى القانون الطبيعي الذي يَعُدُّ نشأة الدولة مجرد نتيجة لغريزة الإنسان الاجتماعية. ولئن كانت سلطة الدولة وشرعيتها