والآخرة {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَتَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَاتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} البقرة 83 - 84.
إن ربانية العدالة الإسلامية تحررها من الهوى والغرض والمحاباة والظلم؛ لأن واضع سننها ـ عز وجل ـ لا يضره تظالمنا ولا ينفعه تناصفنا، ولا تفيده عبادتنا ولا يؤذيه عصياننا؛ فهي بذلك صمام الأمان لسعادة الإنسان، وهي بذلك أيضا تختلف عن عدالة الاستبداد الوضعية التي كرسها أفلاطون، عندما جعل الحاكم مخلوقا فوق البشر، مستمدا سمو فكره ومطلقية قدراته من"العقل الفعال المتصل بواجب الوجود". ولئن حاول أرسطو أن ينقذ البشرية من الاستبداد الأفلاطوني ليبني مجتمعا ودولة تحت حاكمية ما سماه"دستورا"، فإن كل الدساتير التي عرفتها البشرية لم تأخذ قط طابعا مستقرا ولا خصائص ثابتة في أي بلد أو مجتمع أو نظام حكم. إنها دائمة التغير، ينقلب بها الناس على بعضهم، وينقلب عليها الناس فيما بينهم، ويصوغها كل حاكم على مقاسه، وكل نخبة متسلطة حسب هواها. ... أما العدالة الإسلامية فثابتة مستقرة؛ لأنها من لدن حكيم خبير {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ـ الروم 30 ـ.
إن العدالة الإسلامية التي أخذ بها الراشدون أنفسهم وأهليهم وقومهم والإنسانية، ليست من جنس عدالة الفلاسفة الوضعيين أو الطبيعيين أو النفعيين. إنها العدالة الإلهية التي بنوا بها مجتمعا حرا قويا أبيًّا رأوا نموذجه حيا متحركا، ساعيا فوق الأرض في حياة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وبذلك استحقوا صفة الرشد والراشدية.