الباب الرابع
فترة استنبات الفكر السياسي لدى المسلمين
الفصل الأول
الانحراف عن النهج النبوي وآثاره
كان النهج السياسي في عهد الخلفاء الراشدين، واضحا على صراط مستقيم من كتاب وسنة، إلا أن الانحراف أخذ يذر قرنه بعد الانقلاب الأموي، باستنبات عفوي لطفيليات من بذور جاهلية وأطماع شخصية وموروث ثقافي مما قبل البعثة النبوية، واختلاط بعد الفتح بأمم كثيرة؛ واستنبات مقصود على يد الأسرة التي أطاحت بالخلافة الراشدة وما تلاها من أسر حاكمة.
ولقد استأنف الاستنبات هذا مسيرته عقب وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين حرض أبو سفيان عليًّا على رفض بيعة أبي بكر. من ثمَّ واصل خطواته على خوف ورهبة واستحياء، بسبب قوة الإسلام في النفوس وصرامة القيادة الصديقية والعمرية. هذه المسيرة كان يرعاها الطلقاء والمنافقون، والأعاجم الذين أسلموا رغبا أو رهبا، وطلاب السلطة والسيادة، وأهل الذمة الحاقدون.
وفي عهد عثمان ـ رضي الله عنه ـ كان البيت الأموي قد تسلل فعلا إلى مؤسسة الخلافة وأحكم قبضته عليها، ولم يبق له إلا إعلان ذلك. مروان بن الحكم كاتب للدولة مستبد برأيه من وراء الخليفة عثمان، وعبد الله بن أبي سرح على رأس ولاية مصر ذات الكثافة البشرية والعسكرية والثروة، ومعاوية بن أبي سفيان على رأس مملكة حقيقية في الشام، وحوله المستشارون والجند من مرتزقة الأعراب