ـ وزعوا العلم النبوي بالتساوي على أطراف البلاد، وأرسلوا كبار فقهاء الصحابة والتابعين، إلى كافة الأقطار. فتم بذلك الانسجام التام بين الدين الجديد وبين واقع الحياة لدى مختلف الشعوب التي أسلمت؛ كما أخذوا يبنون مؤسسات دولة الشورى، إدارةً وقضاءً واقتصادًا وقوةً، وينقلون الأمة من العهد الشفوي إلى النظام الكتابي التوثيقي بكل دقة وحزم، وقطعوا في ذلك أشواطا كبيرة.
كل هذه الإنجازات التي شملت كافة مناشط الحياة، تمت في مدة قياسية لم تتجاوز ثلاث عشرة سنة هي فترة خلافة أبي بكر وعمر. ولولا مناورات البيت الأموي الذي فتن الأمة، وخرب الخلافة وانقلب عليها، مستعينا بمرتزقة الشام، وبقايا شراذم النفاق وحاقدي أهل الذمة، لكانت مؤسسة الخلافة الراشدة قد تم بناؤها وأخرجت شطأها، وورفت ظلالها وأينعت ثمارها.