الفصل الثالث
الشورى بين الشرع والوضع والتطبيق
لعل مما يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات، أصالة مصطلحاتها، ومرونتها الرائعة التي تنمو بها مفرداتها، وتتطور بها تعابيرها، تبعا لتطور أهلها واتساع تجاربهم، وتنوع حياتهم الاجتماعية، ونشاطهم المادي والمعنوي والروحي، ثم تثبيت بعض هذه المفردات بواسطة الوحي مصطلحات دينية لا تُضاهى.
نلحظ هذه الظاهرة عند تتبعنا لنشأة كثير من المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والعسكرية وغيرها.
فلفظة"الزكاة"مثلا تعلقت في منشئها بنمو الأعشاب والأجسام، ثم تحولت مصطلحا اقتصاديا ليس له مثيل في غير اللغة العربية.
ومصطلح"الجهاد"تطور من معنى مادي محض، هو الإكثار من تناول الطعام، إلى بذل الوسع والطاقة، ثم إلى نظام عسكري متكامل يتعذر إيجاد لفظ يسعه في غير اللغة العربية.
ومصطلح"النفير"تطور إلى مدلوله الحربي من معنى مادي بسيط، هو نفور الدابة وجزعها وذعرها وتباعدها عما يخيفها، ثم تحول إلى فعل من الأضداد: نفر من الشيء، إذا تباعد عنه، ونفر إليه، إذا فزع إليه لينصره أو ليستنجد به؛ ثم ارتقت إلى معنى النصرة على العدو، والتفرغ للعلم، رقاها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، في قوله تعالى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} التوبة 41، وقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} التوبة 122 , وما رُوي عنه - صلى الله عليه وسلم:"إذا استنفرتم فانفروا"أي إذا استنجدتم واستنصرتم ... .