الباب الثاني
التجربة السياسية للعرب قبل الإسلام
الفصل الأول
الجذور التاريخية للأمة العربية
العرب وعاء الإسلام الأول، نزل القرآن بلسانهم، وبُعثت النبوة في أشرف بيوتهم؛ وكانت التطبيقات الأولى عقيدة وسلوكا وتضحية، واجتماعا واقتصادا وسياسة في مجتمعهم؛ وانبثق الاجتهاد الفقهي الأول، بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، تنزيلا للنصوص والأحكام على ما يستجد من حوادث وأحداث على يد كرام صحابتهم.
ولا ريب أن لهذا التفاعل تأثيرا على التطور الفقهي المتعلق بجميع مجالات الحياة عامة، وبالفقه السياسي على وجه الخصوص. إذ نادرا ما يتخلف تأثير الوعاء في محتواه. ولا نقصد بالتأثير تغييرا في الإسلام كتابا وسنة، فهما محفوظان من لدن حكيم خبير؛ ولكن التأثير قاصر على فقه الرجال، ومستوى فهمهم للنصوص، ودقة التزامهم بتعاليمها، وكيفية تنزيلهم للأحكام الأصلية والمستنبطة على نشاط الفرد والجماعة وتصرفاتهما.
إن مجال التأثير والتأثر بين العرب والإسلام واسع متشعب، مساحة الخوض فيه تسع جميع مناشط الحياة ومكارهها. إلا أن ما يعنينا في الدراسة هو الجانب السياسي، أو فقه الأحكام السلطانية. وهو ما ينبغي أن نستكشف ما تسرب إليه من رواسب الجاهلية العربية الأولى، دينية كانت أو عرفية أو فكرية أو عادات وتقاليد؛ ومدى تأثيرها في الفقه السياسي ونظم الحكم لدى المسلمين.