الفصل الثالث
مصادر التشريع الشوروي
أشرنا فيما سبق إلى الفرق بين مصطلحي الدليل والمصدر، وكون الحجية في الدليل أقوى منها في المصدر؛ أي أن الدليل ملزم بإطلاق، ومصدر التشريع المأذون فيه غير ملزم ما يستنبط منه، إلا باتفاق الأمة على اتخاذه قرارا ملزما أو قاعدة لتصرف، أو ذريعة لتحقيق مصلحة أو دفع مضرة.
والأمر يزداد وضوحا إذا ما تجلت معاني لفظ"مصدر"وجذوره اللغوية؛ ذلك أن حروف"الصاد والدال والراء"كما ذكر ابن فارس في معجمه، أصلان صحيحان، أحدهما يدل على خلاف الورد، والثاني صدر الإنسان وغيره. فالأول قولهم: صدر عن الماء وصدر عن البلاد يصدر بالضم، إذا كان وردها ثم شخص عنها. ومنه طريق وارد، أي يرد بأهله على الماء، وطريق صادر أي يصدر بأهله عن الماء. والمصدر موضع الصدور، أي الرجوع والانصراف. ومنه مصادر الأفعال. وفي الحديث:"يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى".
والمصدر في المجال التشريعي له عدة معان تؤدي كلها إلى عملية إنشاء القوانين والقواعد باقتباسها أو استنباطها من مراجع مادية أو معنوية؛ سواء كانت هذه المراجع عوامل اجتماعية، عادات وتقاليد وأعرافا، أو كانت تاريخا وتراثا من التجربة والفقه والقانون وأحكام القضاء. ذلك أن الأمة عندما تعود إلى هذه الينابيع، تصدر عنها مزودة باستنباط تشريعي إنشائي مأذون فيه، لما سكت عنه الشرع من قضايا الدنيا.
إلا أن لمصطلح"مصدر"معنى آخر يتعلق بالأداة البشرية التي تقوم بعملية صوغ القوانين والقواعد وإخراجها في خطاب عام ملزم، له من الجزاءات ما يجعله محترما واجب الاتباع؛ ونعني بذلك السلطة السياسية القائمة. هذه السلطة في