المبحث الثالث
حاكمية المقاصد وحاكمية النص
قرر الشاطبي أن تكاليف الشرع ترجع إلى حفظ مقاصدها التي هي مصالح العباد في العاجل والآجل، ورأيه هذا منه حكم جازم لا ينازع فيه أحد، لاعتماده على دليل قطعي مستنبط بالاستقراء المعنوي والنظر في أدلة الشريعة الكلية والجزئية [1] . إلا أن هذا المذهب منه غير مسلم بإطلاق، لأنه يؤدي إلى حاكمية معنوية منتحلة على الشريعة نفسها، هي حاكمية المقاصد الشاطبية التي هي حفظ المصالح، على اعتبار أنها غاية الوجود البشري ومصدر تصرفاته؛ وهو ما يلغي حاكمية النصوص ويهدرها أو يعود على حجيتها بالإبطال، أو يمهد للانقلاب عليها في أقل تقدير، ويجعل من حقنا أن نسأل الشاطبي عن مدى انتساب هذا الرأي منه للكتاب والسنة، وهل هذا الدليل القطعي الاستقرائي على حاكمية المصالح المرسلة التي هي غاية المقاصد، عرفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكتمه؟، أو بلغه للمسلمين ونسيه جميعهم؟، أم أنه كان نقصا في الدين استمر أكثر من سبعة قرون إلى أن جاء الشاطبي فأكمله؟.
إن القواعد المستقرأة بالاجتهاد غير المعصوم لا يمكن أن تقف في وجه النص، كما أن الشرع لا يعلل وضع الأحكام بالمصالح الفردية وإن تضمنتها، وإنما يعللها تعليلا كليا حاكما على جميع العلل الجزئية الواردة، هو الحكمة الإلهية في الابتلاء والاختبار، نصا محكما لا ينازع {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي} الذاريات 56، {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} العنكبوت 2، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} آل عمران 142.
(1) الموافقات 1/ 14، 2/ 32،2/ 34