ومادام الأجنبي يحمي والشعوب مكبلة، ودعاة القسط والحق يُقام عليهم حد الحرابة، فلا أمل في تغيير أو تطوير أو تحرير.
الفصل الثامن
مجال سلطة الخليفة ونطاقها لدى الفقهاء والمتكلمين
كانت بداية نشوء الإمبراطورية الإسلامية في عهد الراشدين، على أساس الشورى القرآنية بنهج إداري لا مركزي، يختص فيه الخليفة وجهازه التدبيري بتنفيذ قرارات الأمة، وإقامة الشريعة، وتنفيذ الحدود والتعازير، والإشراف على كامل البلاد وتوسيع رقعتها، وتستقل فيه كل ولاية أو إقليم بتسيير الأمر المحلي شورويا.
كانت هذه البداية على هدى وسواء ورشد، خطوات ثابتة متزنة نحو نشوء نظام حكم شوروي لا مركزي، مع الاحتفاظ بالوحدة الوطنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والدينية؛ وهو ما يعرفه العصر الحديث ـ والقياس مع الفارق ـ في نظام الاتحادات الفيدرالية والكونفدرالية، كما لدى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وما تتجه نحوه كثير من الأقطار التي بينها قواسم مشتركة.
إلا أن الانقلاب على الخلافة الراشدة أطاح بهذا المشروع، وأنشأ تصورا جديدا للسلطة وفلسفة الأحكام السلطانية، أساسه الاستبداد الفردي المطلق؛ لم يترك فيه الفقهاء والمتكلمون ومن سار على نهجهم، للتصور الإسلامي إلا هامشا ضيقا لتبرير ما هو قائم؛ مما قطع الطريق على أي تطور جاد، يمهد لنظام مؤسساتي متكامل شوروي، تتوزع فيه السلطات بشكل يمكِّن الأمة من تملك أمرها والقيام به.