إن ما أنتجه الفكر في المجال السياسي الإسلامي لم يخرج عن دائرة تركيز السلطة كلها في يد رجل واحد، هو الإمام أو الخليفة أو الملك أو السلطان. ولئن اختلفت أنماط هذا الإنتاج السياسي فإنها لم تخرج عن أربعة أصناف:
ـ النمط الأول: هو الفقهي التشريعي التبريري الصرف، الذي يمثله الماوردي خير تمثيل. وقد عالج أصحابه السياسة السلطانية من الناحية الفقهية، فتناولوا بالتعريف الإمامة وشروطها، وصفات الإمام وصلاحياته وواجبات الأمة نحوه، ومسؤوليته الشخصية عن التصرف في الأموال والرجال والبلاد، واتخاذ القرار الحاسم في دق الأمور وجلها، وفي تعيين الأمراء والوزراء والقضاة وقادة الجيش والشرطة، وتوزيع الغنائم والجزية والخراج والفيء والإقطاع والدواوين وإقامة الحدود والتعازير.
ـ النمط الثاني: وهو الفقهي التطبيقي العملي الصرف، ويمثله نجم الدين إبراهيم الطرسوسي في كتابه"تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك". ولئن أقر المصنف بشرعية كل متغلب، توفرت فيه شروط الإمامة قرشية وعدالة واجتهادا أم لم تتوفر، فإنه حاول أن يأطر الخليفة على أحكام الشرع، متجنبا نهج التبرير وأساليب الملق، مرشدا إلى أحكام السلوك العملي في تدبير أمر الأمة، خاصة في مجال تقليد الإمام للولاة والقضاة والأمراء والجباة وكتاب الدواوين، والكشف عن مخالفاتهم ومعاقبتهم، والنظر في الأموال ومصادرها ومصارفها والثغور والحصون والجسور إقامة وصيانة، والجيوش وتسييرها، والحروب الداخلية والخارجية وآدابها وضوابطها، وأحكام الأسرى والسبايا والمحاصرين والشهداء؛ متجنبا في ذلك شبهات التبرير وليِّ أعناق النصوص، مما جعل هذا النمط أكثر صدقا في التعامل مع السياسة وأربابها.
ـ النمط الثالث: ويمثله الأخلاقيون وكتاب السمر والتاريخ مثل: ابن رضوان في كتابه"الشهب اللامعة في السياسة النافعة"، وأبو حمو موسى بن يوسف في