الفصل الثالث
فتن النفاق والرِّدة والتمزق القبلي
بُدئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجعه لليلتين بقيتا من شهر صفر، وسرعان ما شاع الخبر فتنمرت معسكرات النفاق والردة في مجتمع المدينة ومكة وأطراف الجزيرة كلها، واشرأبت أعناق اليهود والنصارى للإجهاز على الإسلام.
أما النفاق فقد أثبت القرآن الكريم وجوده في المدينة فقال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} التوبة 101، وقال: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} الأحزاب 60، ويوم أحد تراجع عن القتال حوالي ثلاثمائة منافق يمثلون ثلث الجيش الإسلامي {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} آل عمران 167.
وقد حاول معسكر النفاق عقب وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، الإجهاز على الدعوة الإسلامية. وكان أول الناشطين لإثارة الفتنة وإيقاد نار التقاتل بين المسلمين، أبو سفيان بن حرب؛ إذ قال عقب مبايعة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ: [1] "والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم، يا آل عبد مناف فيما أبو بكر من أموركم؟، أين المستضعفان؟ أين الأذلان؟، علي والعباس؟". ثم أقبل على الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ وخاطبه:"يا أبا الحسن أبسط يدك أبايعك"، فأبى الإمام علي عليه ذلك؛ فجعل يستفزه بشعر المتلمس:
(1) - تاريخ الطبري 2/ 449.