الفصل الثاني
بواكير التصنيف السياسي
كان بنو أمية أول من استعان في تسيير أمر الأمة بالنصارى واليهود والمجوس، كتبةً ومستشارين وجنودًا. وقد احتكر اليهود والنصارى في عهدهم بالشام، المناصب الإدارية الرفيعة، فكان منصور بن سرجون الرومي كاتبا لمعاوية ثم ليزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان. ثم خلفه في نفس المنصب ولده سرجون بن منصور، ثم حفيده منصور بن سرجون بن منصور الذي ترهب وسُمي يوحنا الدمشقي، وألف كتاب (رسالة في الجدل بين مسلم ومسيحي) ، وصف فيه الإسلام بالهرطقة والمسلمين بالهراطقة.
كما ذكر الجهشياري [1] أن المجوس احتكروا المناصب الإدارية بخراسان طيلة العهدين الأموي والعباسي، وأن عمر بن عبد العزيز حين كان خليفة، أمر بعزل أهل الذمة والمجوس من مناصبهم، ولكن أمره لم ينفذ بدقة وبقوا في مناصبهم إلى ما بعد ذلك.
وقد كان لهؤلاء الكتبة والإداريين والمستشارين أثر كبير في نقل تراث الأمم وثقافاتها إلى العربية مبكرا. فقد نُقل الديوان المكتوب بالفارسية إلى اللغة العربية في عهد الحجاج، كما نُقل الديوان المكتوب بالرومية في الشام إلى اللغة العربية في عهد هشام بن عبد الملك.
كما أن التصنيف بدأ مبكرا في عهد بني أمية، على يد خالد بن يزيد بن معاوية الذي اشتغل بالصنعة، وأحضر جماعة من فلاسفة اليونان كانوا بمصر، وأمرهم بنقل الصنعة من اللسانين اليوناني والقبطي إلى اللغة العربية.
(1) - الوزراء والكتاب ص 15.