واستمرت مسيرة النقل والتعريب للثقافات الأجنبية تتطور ببطء؛ فنقل أبو عمرو بن يوحنا كتاب أفلاطون في آداب الصبيان، ونقل الحجاج بن يوسف بن مطر كتاب (أقليدس) في الهندسة نقلين، أحدهما سماه الهاروني نسبة إلى هارون الرشيد، والثاني وهو المعول عليه سماه المأموني نسبة إلى المأمون.
كما كان لهذا النهج في تقريب النصارى واليهود والمجوس، أثر كبير في إذلال القبائل العربية المعارضة، وكل رموز الأمة من أنصار ومهاجرين وعلماء؛ إذ سلطت عليهم الأقليات الدينية التي تحولت إلى جماعات ضغط سياسي، وأرتال المنافقين وعبيد الدرهم والدينار من المسلمين. من ذلك استعانتهم في هجاء الأنصار وصفوة المسلمين بالشاعر النصراني الأخطل، الذي كان الفرس المجلى في بلاط بني أمية، زمن معاوية وابنه يزيد ومروان بن الحكم. أما عبد الملك بن مروان فقد أمر بأن يركب الأخطل الكافر ظهر جرير بن عطية المسلم التقي، وما ذلك إلا لأن الأخطل كان قد طوّل لسانه في التنقيص من الأنصار وهجائهم وشتم المعارضين لسلطة بني أمية. ثم تجاوز ذلك كله إلى الطعن في الإسلام نفسه والاستخفاف بالمسلمين عامة، فقال [1] :
ولست بصائم رمضان طوعا ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عنسا بكورا ... إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست مناديا أبدا بليل ... كمثل العير: حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولا ... وأسجد عند منبلج الصباح
ومع ذلك لم يزدد إلا قربا من بني أمية وتمكنا من بلاطهم، واحتطابا لأموال بيت المسلمين.
هذه البيئة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، التي استنبت فيها الفكر السياسي لدى المسلمين بعد سقوط الخلافة الراشدة، امتدت من بداية أمر بني أمية
(1) - خزانة الأدب 1/ 461.