الفصل الثاني
خلافة الإنسان في الأرض
بين مفهومها القرآني وبين توجهات التوظيف
السياسي
بين المعنى القرآني لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة 30؛ وبين ما ذهبت إليه الأهواء السياسية بون شاسع. وبين الدلالة العقدية للآية القرآنية الكريمة، وبين التوظيف السياسي المغرض فرق كبير. لذلك كان التوضيح حتما وضرورة، كي تبقى للمعاني القرآنية حرمتها، وللنظام السياسي في الإسلام نهجه القويم ومبادئه الرشيدة.
ذلك أنه ما نزل الله من هدى إلا اعترضه الشيطان بمحاولة تحريف ...
وتحريف الشيطان للهدى الرباني يكون عادة بإحدى وسيلتين: إفراط أو تفريط.
إمّا أن يلقي في أمنية المرء المغالاة في التوكل على رحمة الله، إلى حد التواكل وترك العمل، وإمّا أن يزين له المغالاة في التدين إلى حد الزيادة في شرع الله، بابتداع طقوس ومعتقدات يتوهّم لها كبير فضل وقربى.
هكذا أدى التفريط ـ فيما سلف ـ إلى نسيان الدين، معتقدات وطقوسا وواجبات لدى أمم ارتدت للجاهلية الأولى؛ وأدى الإفراط إلى اختلاق معتقدات وتكاليف وطقوس ما كان لها من أساس إلا الهوى والتلبيس؛ فنشأت في اليهودية تصوّرات منحرفة مثل:
ـ {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} التوبة 30
ـ {وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} المائدة 64
ـ {وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} المائدة 18.