الموهومة، إلى ذريعة لإلغاء التعاليم الشرعية المتيقنة. والمتيقن لا يُدفع بالموهوم. ولم يخرج عن هذا المسار مذهب؛ فمن الأحناف السرخسي في"المبسوط"، والكمال بن أبي شريف في"المسامرة على المسايرة"، ومن الحنابلة أبو يعلى، ومن الشافعية الماوردي، ومن الشيعة الزيدية الذين يرون إماما كل من خرج شاهرا سيفه وتوفرت فيه الشروط من ولد فاطمة ـ رضي الله عنها ـ، أما المالكية فباب المصلحة المرسلة والمقاصد عندهم يسع كل ضروب الغلبة والقهر والتسلط.
إن الفقهاء والمتكلمين وإنْ أطنبوا في تفصيل شرائط الإمامة وصفات الخليفة، قد ألغوا في المجال الواقعي كل تلك الشروط والصفات عندما أقروا إمامة الغلبة والقهر، وفتحوا بهذا الاجتهاد السائب بابا واسعا للفتنة الحقيقية. إذ قياسا على ما ذهبوا إليه جازت لدى النفوس الضعيفة الخيانة العظمى، تعاونا مع أعداء الأمة وخدمة للعدو. وهو ما فعله العلقمي الذي مهد للمغول طريق القضاء على الخلافة العباسية، وما ارتكبه بعض العلماء في عهد الاستعمار إذ أفتوا بأن سلطة المحتل الأجنبي شرعية.
وقياسا أيضا على ما ذهبوا إليه، صدرت الفتاوى التي تعد دعاة القسط والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خوارج محاربين ودعاة فتنة، يُقام عليهم حد الحرابة قتلا ونفيا وبترا للأيدي والأرجل من خلاف؛ وأدى هذا الاتجاه في الفقه السياسي إلى أن صُفيت عناصر القوة والمنعة في المجتمع، والتبس على المسلمين أمر دينهم، فصار المعروف منكرا يُنهى عنه، والمنكر معروفا يُؤمر به، وخضع الحكام للنفوذ الأجنبي التماسا للحماية وتحسبا لغضب الأمة.
إن استقراء أحداث التاريخ الإسلامي، والفتاوى السياسية للفقهاء، يكشف بوضوح أن أساس الحكم واقعا عمليا وفكرا سياسيا، كان لديهم هو الغلبة والقهر، وإنْ مُوِّه على ذلك بمبررات شرعية بعد الاستيلاء على السلطة بأثر رجعي. ولم تخرج عن هذا النهج إمارة أو مملكة أو مشيخة أو جمهورية، اشتراكية كانت أو ليبرالية، تزملت بدثار الإسلام أو بالديموقراطية أو بالاستبداد الصريح السافر.