إلى ذلك أيضا ذهب بدر الدين بن جماعة (639 - 734 هـ/1241 - 1333 م) في كتابه"تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام" [1] ، فزعم أن كل من تصدى للإمامة وليس من أهلها، وقهر الناس بشوكته وجنوده، بغير بيعة واستخلاف، كان إماما شرعيا لزمت طاعته، ولا يقدح إمامته كونه فاسقا أو جاهلا. وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد ثم قام آخر فغلب الأول، انعزل الأول وصار الثاني إماما. وهذا تشريع واضح لجواز الانقلابات العسكرية والوثوب على السلطة على قاعدة"الإمامة للمتغلب"، وهو ما له أصل لدى الحنابلة بروايتهم"الجمعة مع من غلب".
كذلك الإمام النووي، يقول" [2] : وأما الطريق الثالث فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام فتصدى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف ولا بيعة، وقهر الناس بشوكته وجنوده، انعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين، فإن لم يكن جامعا للشرائط بأن كان فاسقا أو جاهلا فوجهان أصحهما انعقادها لما ذكرناه"؛ ويقول أيضا [3] :"إذا ثبتت الإمامة بالقهر والغلبة فجاء آخر فقهره انعزل الأول وصار الثاني إماما"
أما الشيخ زكريا الأنصاري فهو أشد وضوحا في الأمر إذ يقول [4] :"وتنعقد الإمامة بثلاث طرق أحدها بيعة أهل الحل والعقد ... وثالثتها باستيلاء شخص متغلب على الإمامة ولو غير أهل لها كصبي وامرأة، بأن قهر الناس بشوكته وجنده وذلك لينتظم شمل المسلمين".
لقد أبدى الفقهاء والمتكلمون استنادا منهم إلى فقه الضرورة تساهلا زائدا أباحوا به تسلط الجوَرَة والظلمة، وتحولت بما ذهبوا إليه، نظرية"خوف الفتنة"
(1) - الصفحة 55
(2) - روضة الطالبين للنووي ج 10 ص 46
(3) - نفس المصدر ص 48
(4) - فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب ج 2 ص 268