فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 356

وسُمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه، برا كان أو فاجرا فهو أمير المؤمنين". واحتج برواية أبي الحارث في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم، أن الجمعة تكون مع من غلب، وبما رواه أحمد عن ابن عمر أنه صلى بأهل المدينة في زمن الحرة وقال:"نحن مع من غلب"، وبخروج عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير ـ وكان خليفة شرعيا على الحجاز ـ، فلما استولى ابن مروان على البلاد صار إماما يحرم الخروج عليه."

والواقع أن الفقه السياسي في هذا الأمر لم يكن إلا صدى لأحداث الصراع على السلطة. فمنذ أُسقطت الخلافة الراشدة لم يعرف المسلمون في غالب عهودهم إلا إمامة المتغلبين وسلطة الأمر الواقع؛ ابتداء من معاوية الذي أخذ البيعة من أهل المدينة والصحابة تحت بارقة السيف، إلى بني مروان وبني العباس وغيرهم من مؤسسي الدول في بلاد المسلمين شرقا وغربا، إلى عصرنا الحديث حيث يتم الاستيلاء على السلطة أولا، ثم بعد ذلك يُبحث عن"جوق وطني"للبيعة.

ولئن كان ابن خلدون قد لاحظ هذا الوضع، واستخلص منه نظريته في العصبية التي توفر لطالب الإمامة القوة والغلبة والقهر [1] ، حتى رأى أن يُعزر من يطلبها بدون عصبية؛ لأن ذلك منه حمق وسفاهة وإثارة لفتنة لا تقيم دولة [2] ؛ فإن الغزالي أيضا قد جعل مدار الخلافة على الشوكة، فقال [3] :"فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة ... ومدار ذلك جميعا على الشوكة".

(1) - مقدمة ابن خلدون ص 194

(2) - يقول ابن خلدون في مقدمته ص 160:"كثير من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية ولا يشعرون بمغبة أمرهم ومآل أحوالهم، والذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون وإما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا هرجا وإما إذاعة السخرية منهم"

(3) - فضائح الباطنية للغزالي ص ... 110

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت