فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 356

إن العبودية الصادقة لله عز وجل، متمثلة في التعامل الإيجابي مع ضروب الابتلاء والفتن ومكافحة المكاره وعوائق الطريق إلى مرضاة الله، هي المقصد الحقيقي من التكليف الذي يتضمن مصلحة الفرد في الدنيا، كما أرادها الله لاكما يتصورها البشر، ومصلحته في الآخرة التي هي الجنة حسب مشيئة الله وحده لا كما يفترضها العقل البشري. فمصالح الدنيا في مجالها العبادي منضبطة بالنصوص والحمل عليها مطلقا، وفي مجال المحاولات الدنيوية الصرفة جزء محكوم بالشريعة وجزء ترك للعقل البشري حرية التصرف فيه بواسطة الشورى العامة. وينبني على هذا رد ما قرره الشاطبي [1] من أن الشارع قصد بالتشريع إقامة المصالح الدنيوية والأخروية على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء سواء في ذلك ما كان على سبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات، وأن الشارع قاصد أن تكون مصالح على الإطلاق، ولابد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا وكليا وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين وفي كل الظروف والأحوال. ذلك أن هذا الرأي منه مخالف لما نعرفه في الشرع من أن الدنيا مطية للآخرة، ولابد للمطية من أن تتأثر بالاستعمال الذي هو ابتلاء في أصله وطبيعته {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} الأنبياء 35، {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} آل عمران 146؛ والتضحية بالمال والنفس والأهل والولد أو الابتلاء بهم من القرب التي يحط بها ذنب أو ترفع بها درجة، وهي مصالح دنيويةلابد من إهدارها أحيانا للفوز بمرضاة الله، وكأن بين بعض مصالح الدنيا ومصالح الآخرة تعارضا وتنافيا هما سر الابتلاء.

(1) الموافقات 1/ 25

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت