إن البحث في هذا الاتجاه ولهذا الهدف حساس ومثير؛ لأن النفوس تأنف الخوض فيه بسبب نفورها الفطري من الجاهلية، ورفضها الاعتراف بإمكانية بقاء رواسب لها في نفوس الأفراد ونظام المجتمع الإسلامي وإنتاجه الفكري. مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خاطب أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ قائلا:"إنك امرؤ فيك جاهلية".
كما أن إيغال الجنس العربي في عمق التاريخ، وندرة الوثائق المدونة، والحفريات المتعلقة بتاريخهم، وإغفال الأخباريين لكثير من أيامهم، يمثل صعوبة أخرى في طريق البحث والاستنتاج. لذلك لا يسعنا إلا أن نحاول تجاوز تلك الحساسيات، وتذليل هذه الصعوبات، واستقراء ما بلغنا عن عرب الجاهلية على قلته، لعله يأخذ بيدنا إلى الطريق ويقودنا إلى الهدف.
ولعل ما ينبغي ملاحظته في هذا المجال أن الأمة العربية ذات جذور تاريخية عميقة، تكونت عبر حلقات تطور اجتماعي وعقدي وفكري طويل، أسس مفاهيم وتقاليد وأعرافًا، وكوّن تصورات ميتافيزيقية نظمت علاقات الأفراد فيما بينهم، وعلاقاتهم بالحكام والقادة، وعلاقاتهم بالطبيعة والجوار. متأثرين في ذلك كله بالحضارات الأولى في شمال الجزيرة العربية وجنوبها وشرقها وغربها.
لقد كانت نقطة البدء لديهم الأمة الكلدانية التي تعتبر الأصل، وما تفرع عنها من شعوب آشورية وبابلية وآرامية وعربية؛ استوطنت اليمن والشام والعراق والحجاز ونجدًا.
كما ساهم في تكوين هذه الأمة عامل الطبيعة مناخا وموقعا جغرافيا، وبيئة قاسية أضفت على الأخلاق والمعاملات طابعا متماثلا، يغلب عليه الجفاء والتقشف والعنفوانية المزاجية الهوجاء، وعفوية التصرف وبساطته وخشونته. لاسيما عندما يتعلق الأمر بما هو حيوي كالماء والكلأ، فيتقاتل بنو الأب الواحد بشراسة وضراوة، أوعندما تتحكم في العواطف أعاصير الفاقة والجوع وزوابع الأحقاد القبلية مجتمعة، فتنطلق غرائز الانتقام من عقالها إلى حد قد يصل أكل لحم البشر؛ ونسوق