فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 356

وحضريي الشام وأهل الذمة، الذين لا يعرفون للإسلام ولا لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرمة، ممن هدد بهم معاوية عمارا بقوله [1] :"يا عمار، إن بالشام مائة ألف فارس، كل يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم. لا يعرفون عليا ولا قرابته، ولا عمارا ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحابته، ولا طلحة ولا هجرته، ولا يهابون ابن عوف ولا ماله، ولا يتقون سعدا ولا دعوته ...".

فلما انهارت مؤسسة الخلافة باغتيال الإمام علي، تحالفت مراكز القوة الأموية في الشام ومصر والحجاز، وأقامت دولتها وملكها في دمشق على غير النهج النبوي والخلافة الراشدة. ونال التحريف في عهدهم وعهد من جاء بعدهم كثيرا من المفاهيم الإسلامية، في ميادين العقيدة والحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الداخلية والخارجية، مما يتعذر استقصاؤه في هذه الدراسة.

في ميدان العقيدة كان البلاط الأموي أول مؤسسي مذهب الجبر؛ بمعنى أن القضاء والقدر إكراه وجبر للعبد على الفعل، وأن الإنسان لا يثبت له فعل ولا قدرة على الفعل أصلا. وكان تبنيهم لهذه العقيدة الفاسدة من أجل التمويه على ما ارتكبوه في حق الأمة وآل نبوتها من جرائم وآثام وسفك دماء؛ ولتهدئة غضب العامة وثورتهم على مسيرة الانحراف وعملية الانقلاب على نهج النبوة وشيوخ الخلافة الراشدة.

ثم بتشجيع منهم ودعاية من أعوانهم انتشرت هذه البدعة انتشار النار في الهشيم، وصارت"إيديولوجيا"رسمية للدولة، يجادلون بها ويدافعون عن مواقفهم بمنطقها. وعندما دخل بقية آل البيت من مذبحة كربلاء على عبيد الله بن زياد [2] ، وكانت زينب بنت الإمام علي في أرذل ثيابها، قال لها عبيد الله بن زياد:"الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وكذَّب أحد ورثتكم"، فقالت:"الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا، لا كما تقول. وإنما يُفتضح الفاسق ويُكذب"

(1) - الإمامة والسياسة 1/ 46.

(2) - تاريخ ابن كثير 8/ 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت