فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 356

إن رصيد التجربة والتاريخ مصدر غني للتشريع فيما سكت عنه الشرع، غير أن ذلك مقيد بالشورى الإيمانية الجماعية، التي تدرس الواقع وتستقرئ التجارب وتحدد الغايات والمقاصد، وإلا كانت الفتنة والتسيب والفوضى والاضطراب.

إن منهج الاستفادة من رصيد التجربة والتاريخ الذي أرشد إليه الإسلام، كان أساس نشوء المذهب التاريخي لدى فقهاء القانون الوضعي، الذين تمردوا على فكرة القانون الطبيعي. ولكن حرفية نظرتهم إلى التاريخ أوقعتهم في إساره وحاكميته، بزعمهم أن تطور قوانين الأمم آلي، لا تتدخل فيه إرادة الإنسان، وليس ثمرة التفكير والاستنباط، وإنما ينشأ من ضمير الجماعة وينمو فيها نموا ذاتيا، وظيفة المشرع إزاءه سلبية تقتصر على المراقبة والتدوين والتوثيق؛ وهذا ما شرحه"مونتيسكيو"في كتابه"روح القوانين".

ثم بعد حين تطور هذا المذهب نفسه على يد الألماني"إيرنج"في كتابه"الغاية من القانون"،فيما عرف بمذهب الغاية والكفاح، على أساس أن القوانين ظواهر طبيعية تخضع لضوابط الإرادة والغاية، وتطورها تطور مبصر يهتدي بنور العقل، ويتأثر بالتوجيه الإرادي المباشر نحو غاية هي حفظ المجتمع وتحقيق الخير العام.

ثم أضاف"أوجيست كونت"إلى هذا المنهج فكرة التضامن الاجتماعي التي تعد التعاون مع الغير ضروريا لتحقيق مصالح الفرد وكفالتها، مما يضطر الجميع إلى التضامن، ويجعل الشعور بالحاجة إلى التعاون والتكافل أصلا للقانون ومبعثا لقوة الإلزام فيه.

ثم بلغ تطور هذا المذهب مداه لدى"جيني"الذي حلل هذه النظريات كلها وحاول التوفيق بينها، على أساس أن مادة القوانين تتكون من أربع حقائق هي: الحقائق الطبيعية الواقعية، والحقائق التاريخية، والحقائق العلمية، والحقائق المثالية التي هي المقاصد والغايات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت