الشريعة مع سائر الملل في هذا الأمر [1] ما يوضح مدى تأثير الثقافات الأجنبية في التفكير الإسلامي وتمويهها على النص القرآني الملزم {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} المائدة 48، وما يفسر بدون لبس هذا الاتجاه الفردي في المقاصد الشاطبية. ذلك أن الفردية مبدأ فلسفي عريق في الفكر الإنساني. والمجتمعات البدائية نفسها كانت فردية التصرف والمقصد، كما أن النظم التي عرفتها بواكير النضج السياسي في اليونان كانت ذات نهج فردي، والفيلسوفان سقراط وأرسطو كانا يعتقدان أن الفرد أساس التصرف الأخلاقي، وأبيقور جعل الفرد وحدة المجتمع وأساسه، والرواقية طورت مبدأ المساواة الاجتماعية في إطار يرى الفرد أساس كل حقيقة وجودية، والمذهب الفردي في الفلسفة عموما يرى أن غاية المجتمع رعاية الفرد والسماح له بتدبير شأن نفسه ضمن نظام ليبرالي يترك الأمور تجري على سجيتها.
ولئن كان الإسلام قد أعطى للفرد حق وعي ذاته ضمن أمة متماسكة ذات رسالة، بما يوازن بدقة متناهية بين الاتجاهين الفردي والجماعي، ويجعل الأفراد ركاب سفينة واحدة تتجه إلى مقصد واضح بين، ينجون بنجاتها ويهلكون بغرقها، فإن انفراط عقد الأمة وتسلط الاستبداد، وفوضى الثقافات الوافدة والدخيلة، ساهم في ارتداد النشاط العلمي والثقافي والاجتهادي نحو الفكر الوضعي، أو التأثر به سلبا على أقل تقدير، لاسيما في الأندلس التي كانت سباقة إلى هذا المجال، كما كانت بعد ذلك سباقة إلى السقوط، وكان أهلها بمحافظتهم على ضروراتهم الخمس أكثر سبقا إلى الهجرة والتهجير.
لقد كان الاجتهاد الفكري والفقهي في أول عهد الدولة الإسلامية حرا واقتحاميا، مثلما هو حال دولته عقديا وسياسيا وعسكريا، يعالج المعضلات الحادثة ومرتقبة الحدوث في إطار الكتاب والسنة، بثقة واستعلاء إيمان. إلا أن مجال حرية الرأي والاجتهاد والنهج الاقتحامي أخذ يتقلص بالتدريج إلى أن أصبح
(1) الموافقات 1/ 15