أما الاجتهاد الحنبلي فقد سار على نهج المالكية في الأخذ بالمصلحة المرسلة، ورأى أن كل عمل فيه مصلحة غالبة، يطلب من غير أن يحتاج إلى شاهد خاص؛ وقال في ذلك ابن القيم [1] : (فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه) . ثم بلغ الأخذ بالمصلحة حد التسيب وإهدار النصوص القطعية وتعطيلها بمحض العقل، مما فتح الباب للفوضى التشريعية وتحكم الأهواء، كما هو الحال لدى نجم الدين سليمان الطوفي الحنبلي، إذ صرح بما لا لبس فيه، بأن المصلحة مقدمة على النص القطعي والإجماع التام الصريح بقوله: [2] (ثم هما ـ أي النص والإجماع ـ إما أن يوافقا رعاية المصالح أو يخالفاها. فإن وافقاها فبها ونعمت ولا تنازع، إذ قد اتفقت الأدلة الثلاثة على الحكم، وهي النص والإجماع ورعاية المصلحة المستفادة من قوله عليه السلام"لا ضرر ولا ضرار"، وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما) .
وفي العصر الحديث اتخذت رعاية المصلحة الموهومة، مطية مموهة بفقه المقاصد من قبل مرضى القلوب والمنافقين والاتجاهات الشيوعية والعلمانية، مما يحمل الصادقين من الفقهاء والعلماء مسؤولية سد هذه الذريعة المؤدية إلى التحلل وإهدار نصوص الكتاب والسنة.
لاشك أن المصلحة المرسلة المنضبطة بشروطها باب من أبواب الاجتهاد الفقهي غير السائب في ميدان الأحكام الشرعية العملية، على اختلاف مواقف الفقهاء اعتدالا وتشددا، مما لسنا بصدد شرحه والتوسع فيه. ولئن كانت كذلك فإن اتخاذها مصدرا لمعالجة القضايا الدنيوية التي سكت عنها الشرع وفوض أمرها للأمة من باب أولى. لأنها من أهم طرق إنشاء القواعد والقوانين والنظم في مجال التشريع الشوروي بشروطه وضوابطه.
(1) الطرق الحكمية ص 14
(2) مجلة المنار - الجزء 10: المجلد 9 - ص 752