ومنها أن من العرب من كان يعرف القراءة والكتابة قبل البعثة وبعدها، ومنهم من كان يعرف الحكمة ولغات الجوار فرسا وروما وأحباشا بسبب رحلتي الشتاء والصيف للتجارة.
كما أن في دعواه هذه شططا في استخدام المنطق الصوري الذي لا تتطابق أحكامه أحيانا مع الحقيقة والواقع، وحصرا للشريعة في نطاق ضيق محدود هو الأمة العربية، والحال أنها للبشر كافة {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} ص 87.
وبما أن الشريعة أنزلت من لدن عليم حكيم، ومصدرها العلم المطلق العام الشامل، فلا بد أن تحمل ما يناسبها من علم واضعها سبحانه وتعالى، ولذلك يكشف القرآن الكريم لكل عصر وجيل وعلم وبحث أسرارا من الخلق والتدبير معجزة، مما يوضح حقيقة صدوره عن علم وسع كل شيء.
أما دعواه بأن الشريعة ينبغي أن تفهم على معهود الأميين، لأن رسولها أمي والأمة التي بعث فيها أمية، فجنوح مندفع في الاستقراء غير المنضبط؛ لا سيما وقد جاء القرآن في جملة مضامينه قابلا للفهم من جميع الخلق جاهلهم وعالمهم، كل حسب قدرته ومدى استيعابه {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} القمر 22، كما أن أحكامه التكليفية مبنية على مقاييس حسية وعقلية تسع كافة المخاطبين من كل جنس ولون وعصر ومستوى حضاري وثقافي، وإلا لما كانت ملزمة لهم وحجة عليهم جميعا، ولتعذر الامتثال لها وتطبيق أوامرها ونواهيها، والاعتبار بما ورد فيها من مواعظ وحكم، وحقائق علمية في النفس والكون والآفاق. كما أن التطور العلمي المعاصر أكد إعجاز القرآن في انبنائه على العلم المطلق، إذ كل المعلومات الواردة فيه يفهمها الفرد العادي البسيط بما يكفي لتثبيت إيمانه وقيامه بتكاليف دينه، ويفهمها العالم المتخصص بما يفتح له آفاقا في العلم والإيمان.
وبما أن معهود كل أمة راجع إلى أسلوب معيشتها بداوة وحضارة، ليونة وخشونة، علما وجهلا؛ فإن هذا يقتضي منه أن تفهم الشريعة على معهود البداوة