أما حكم العزيمة ـ عدم الاستخلاف ـ، فقد أجمع عليه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، عقب وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، عندما اختاروا أبا بكر، ثم عندما اختاروا عمر وعثمان وعليا ـ رضي الله عنهم ـ؛ ولم يدَّعِ أحد وصية من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتصرفوا في إطار الشورى، محكمين العقل والمصلحة العامة المؤطرين بالشريعة، الخاضعين لها.
ولئن كان أبو بكر وعمر قد ترخصا في أمر الاستخلاف، للضرورة القصوى التي قدراها حق قدرها، خارج إطار الهوى والمصالح الخاصة، فإنهما قد أكدا بأقوالهما وأعمالهما حكم العزيمة الذي ترك اختيار القيادة السياسية، لعامة المسلمين، يبثون فيه شورويا بكل حرية.
يقول أبو بكر عندما حضرته الوفاة [1] : (وددت أني كنت سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن هذا الأمر، فلا ينازعه أحد، وددت أني كنت سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟) .
ويقول أيضا [2] : (وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة، كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين ـ يريد عمر وأبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا) .
ويقول عمر في اليوم الثاني لبيعة أبي بكر، دفاعا عن موقفه يوم السقيفة [3] : (أيها الناس، إني قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ) .
ويقول عن طريقة بيعة أبي بكر [4] : (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة. فقد كانت كذلك، غير أن الله وقى شرها ... وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة
(1) - الطبري 2/ 620.
(2) - الطبري 2/ 619.
(3) - تاريخ ابن كثير 6/ 301.
(4) - الطبري 2/ 446.