فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 104

يقبل إلا طيبا، قال سفيان الثوري:"من أنفق الحرام في طاعة الله كان كمن طهر الثوب النجس بالبول، والثوب النجس لا يطهره إلا الماء، والذنب لا يكفره إلا الحلال" [1]

وسيأتي مزيد تفصيل لهذه المسألة.

إن الواجب الشرعي على من يقترف جرما في كسبه هو الإقلاع عن هذا الجرم، وهذا الواجب أحد شروط التوبة الصحيحة، وهو ما يطلق عليه"الإقلاع عن الذنب"قال ابن قدامة:"التوبة على ضربين ; باطنة , وحكمية , فأما الباطنة , فهي ما بينه وبين ربه تعالى , فإن كانت المعصية لا توجب حقا عليه في الحكم , كقبلة أجنبية , أو الخلوة بها , وشرب مسكر , أو كذب , فالتوبة منه الندم , والعزم على أن لا يعود. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الندم توبة} . وقيل: التوبة النصوح تجمع أربعة أشياء ; الندم بالقلب , والاستغفار باللسان , وإضمار أن لا يعود , ومجانبة خلطاء السوء. وإن كانت توجب عليه حقا لله تعالى , أو لآدمي ; كمنع الزكاة والغصب , فالتوبة منه بما ذكرنا , وترك المظلمة حسب إمكانه , بأن يؤدي الزكاة , ويرد المغصوب , أو مثله إن كان مثليا , وإلا قيمته. وإن عجز عن ذلك , نوى رده متى قدر عليه. فإن كان عليه فيها حق في البدن , فإن كان حقا لآدمي , كالقصاص , وحد القذف , اشترط في التوبة التمكن من نفسه , وبذلها للمستحق , وإن كان حقا لله تعالى , كحد الزنى , وشرب الخمر , فتوبته أيضا بالندم , والعزم على ترك العود ..." [2]

وقال العز بن عبد السلام:"من أعمال القلوب: التوبة، ولها ثلاثة أركان، أحدها: الندم على المعصية والمخالفة. والثاني: العزم على أن لا يعود إلى مثل تلك المعصية في الاستقبال. والثالث: إقلاع عن تلك المعصية في الحال, فهذه التوبة مركبة من ثلاثة أركان: العزم , والندم , والإقلاع." [3]

مسألة: الاستمرار في الكسب الحرام مع صدق الرغبة في اجتنابه:

إن التوبة من الذنب تعني الإقلاع عنه، ويجب الإقلاع في الحال إن كان ذلك ممكنا، لكن هل يجوز تأخيره فترة من الوقت؟

الجواب على ذلك بالنظر إلى الأسباب المانعة من التوبة، ومدى توافر الضرورة أو الحرج المانع من الإقلاع الفوري، فإذا توافرت شروط الضرورة أو الحاجة الحقيقية ارتفع إثم الاستمرار في الكسب الحرام وإلا فيأثم ويعاقب، واهم هذه الشروط ما يلي:

أولا: أن يقع على الشخص ضرر لا يمكن دفعه إلا بارتكاب المحظور، سواء أكان هذا الضرر يؤدي بالشخص إلى الهلاك أو مقاربته، أو مشقة شديدة لا يمكن تحملها.

(1) - أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين (2/ 129) المكتبة العصرية، صيدا بيروت

(2) - ابن قدامة، المغني (10/ 193) دار إحياء التراث العربي.

(3) - العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 220) دار الكتب العلمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت