ويؤخذ هذا الضابط من النصوص القرآنية الكثيرة الواردة في رفع الحرج في تناول الحرام عند الاضطرار، كقوله تعالى {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} (البقرة: 172) وقوله تعالى {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} (المائدة: 3) وقوله تعالى {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} (الأنعام: 119) وغيرها من الآيات الكريمة في هذا الشأن
وقد عرف العلماء الاضطرار في الآيات الكريمة بأنه:"الضرر الذي يصيب الإنسان من جوع أو غيره ولا يمكنه الامتناع منه" [1] وعرف الضرر بأنه: الألم الذي لا نفع فيه يوازيه أو يربي عليه، وهو نقيض النفع" [2] وقيل:"خوف الهلاك ولو ظنا" [3] وقيل:"الخوف على النفس من الهلاك علما أو ظنا"أو"بلوغ الإنسان حدا إن لم يتناول الممنوع يهلك" [4] "
وقد صور الإمام الشافعي حالة الاضطرار بأنها"والمضطر: الرجل يكون بالموضع: لا طعام معه فيه , ولا شيء يسد فورة جوعه من لبن , وما أشبهه. ويبلغه الجوع ما يخاف منه الموت , أو المرض وإن لم يخف الموت أو يضعفه , أو يضره أو يعتل أو يكون ماشيا: فيضعف عن بلوغ حيث يريد أو راكبا فيضعف عن ركوب دابته ; أو ما في هذا المعنى من الضرر البين. فأي هذا ناله فله أن يأكل من المحرم , وكذلك يشرب من المحرم: غير المسكر .." [5]
وقد نزل العلماء الحاجة سواء أكانت عامة أو خاصة منزلة الضرورة في التيسير ورفع الإثم، والمقصود بها"ما يفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المصلحة , فإذا لم تراع دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة" [6]
وقد قصر بعض العلماء أثرها في ترك بعض الواجب لا تناول المحرم كما قال السيوطي"والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه يكون في جهد ومشقة. وهذا لا يبيح الحرام , ويبيح الفطر في الصوم" [7]
ومن المفيد في ذلك ألا يستقل الشخص بتقدير ضرورته أو حاجته فعليه أن يسأل في ذلك أهل العلم المختصين؛ إذ لو ترك أمر تقدير الضرورة له فلربما أوهم نفسه أنه في حالة إشراف على الهلاك والأمر ليس كذلك.
ثانيا: أن يكون الضرر متوقع فعلا لا متوهم أو مظنون.
(1) - الجصاص، احكام القرآن (2/ 441)
(2) - ابن العربي، أحكام القرآن (1/ 81)
(3) - النفراوي المالكي، الفواكه الدواني (1/ 386)
(4) - الزركشي، المنثور في القواعد (2/ 318) السيوطي، الأشباه ولنظائر (85) الموسوعة الفقهية الكويتية (6/ 302)
(5) - الإمام الشافعي، أحكام القرآن (2/ 91)
(6) - الإمام الشاطبي، الموافقات (2/ 10)
(7) - السيوطي، الأشباه والنظائر (84) دار الكتب العلمية ..