ثالثا: ألا يوجد ما يدفعها من المباحات أو من المكروهات، وإذا تعين الحرام سبيلا لدفع الضرورة فيرتكب ما هو أقل مفسدة من غيره.
والأصل أن الحرام كله خبيث، ولكن بعضه أخبث من بعض، فالكسب مثلا من العقود المباحة الفاسدة كبيع الغرر، ليس ككسب البغي، أو المأخوذ ظلما على سبيل الغصب والسرقة. يقول أبو حامد الغزالي"فالمأخوذ بعقد فاسد كالمعاطاة مثلا فيما لا يجوز فيه المعاطاة حرام، ولكن ليس في درجة المغصوب على سبيل القهر، بل المغصوب أغلظ، إذ فيه ترك طريق الشرع في الاكتساب وإيذاء الغير، وليس في المعاطاة إيذاء، وإنما فيه ترك طريق التعبد فقط، ثم ترك طريق التعبد بالمعاطاة أهون من تركه بالربا، وهذا التفاوت يدرك بتشديد الشرع ووعيده وتأكيده في بعض المناهي .... فهذه دقائق في تفاصيل الخبائث لا ينبغي أن يذهل عنها، فلولا اختلاف درجات العصاة لما اختلفت درجات النار" [1]
ويقول ابن عابدين نقلا عن كتب الفتاوى في المذهب"وفي الذخيرة: سئل أبو جعفر عمن اكتسب ماله من أمر السلطان والغرامات المحرمة , وغير ذلك هل يحل لمن عرف ذلك أن يأكل من طعامه؟ قال: أحب إلي في دينه أن لا يأكل ويسعه حكما إن لم يكن غصبا أو رشوة ا هـ وفي الخانية: امرأة زوجها في أرض الجور إذا أكلت من طعامه , ولم يكن عينه غصبا أو اشترى طعاما أو كسوة من مال أصله ليس بطيب فهي في سعة من ذلك والإثم على الزوج" [2]
ومن هنا قال الفقهاء في شروط الضرورة"الضرر لا يزال بضرر مثله أو أعلى منه"وإنما يزال بما دونه.
رابعا: ألا يكون دفعها بالاعتداء على دماء وأعراض الآخرين بقتلهم أو إتلاف أنفسهم، أو هتك أعراضهم، فهذه المحرمات لا تبيحه حاجة ولا ضرورة.
قال السيوطي في ضابط الضرورة"الضروريات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها"قولنا:"بشرط عدم نقصانها عنها"ليخرج ... وما لو أكره على القتل أو الزنا , فلا يباح واحد منهما بالإكراه لما فيهما من المفسدة التي تقابل حفظ مهجة المكره" [3] "
ويدخل فيما تقدم المكاسب المباشرة من الزنا والاستئجار على القتل، أو غير المباشرة كالأنشطة المؤدية إلى الزنا والقتل كالرقص، والفنون الفاحشة التي تدعو إلى الرزيلة، وكذا ألوان الغش التي تؤدي إلى إصابة العباد والبلاد بالأمراض والآفات، وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى تيسير ارتكاب جريمة الزنا، أو يؤدي إلى إزهاق الأنفس والأرواح.
خامسا: أن يقف في ارتكاب المحظور عند حد إزالة الضرورة ورفع الحاجة، وهو معنى ما قاله الفقهاء:"الضرورة تقدر بقدرها"
(1) - أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين (2/ 134) المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.
(2) - ابن عابدين، رد المحتار (6/ 386) دار الكتب العلمية.
(3) - السيوطي، مرجع سابق