ومما يدل على حرمة وتأثيم حيازة هذه الأموال بقصد التملك أو بغيره نصوص كثيرة من القرآن والسنة، ومن ذلك:
أولا ـ قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} البقرة (188) وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} النساء (29) ... قال الجصاص:"أكل المال بالباطل هو تملكه من الجهة المحظورة" [1]
والتحريم ليس قاصرا على الأكل فقط، إنما يتعدى كافة وجوه الانتفاع أو التصرف بالمال الحرام كما يشمل تحريم العمليات التمهيدية التي تسبق الانتفاع أو التصرف كالاكتساب والحيازة ونحوهما.
ثانيا ـ قوله تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} البقرة (19) المائدة (87)
وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في مناسبتين خاصتين: الأولى: مجاوزة الحد في القتال، والثانية: التجاوز في المباحات، إلا أنها عامة في تحريم جميع صنوف العدوان والاعتداء على الغير، أو الاعتداء على الشرع، ومن أوجه العدوان على الغير: حيازة ماله بغير رضا منه على وجه الغصب أو السرقة أو الرشوة وغيرها، وأشد منه عدوانا الاعتداء على الشرع بتجاوز منهياته.
ثالثا: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما في خبر حجة الوداع عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم النحر، فقال: يا أيها الناس، أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام. قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه، فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ قال ابن عباس - رضي الله عنهما: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" [2] ولا ريب أن حيازة مال مملوك لغير حائزه على وجه القهر أو السرقة أو الغصب، وكذا أخذ ه على غير ما أذن به الشرع يعتبر عدوانا على أموال الآخرين يحرمه الشرع ويجرمه ويعاقب عليه."
رابعا: ما جاء من أحاديث تأمر بإهراق الخمر عندما حرمت، وتفيد تلك الأحاديث عدم جواز حيازة المال المحرم بعينه. ومن ذلك: ما جاء في الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله: ليس على
(1) - الجصاص - مرجع سابق - 3/ 154
(2) - صحيح البخاري - كتاب العلم - باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم - رب مبلغ - رقم 67، صحيح مسلم - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - باب تغليظ الدماء والأعراض والأموال - رقم 1679