سابعا: تحريم كل فعل أو نشاط يتعلق بالجريمة سابقا عليها أم لاحقا على ارتكابها، فقد روى الترمذي عن أنس بن مالك قال: لعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له"وعند ابن ماجه من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم - لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها وشاربها وساقيها" [1]
ففي هذا الحديث الشريف لم يقف التحريم عند تحريم شرب الخمر فقط، وإنما تناول كافة الأنشطة الاقتصادية ما تعلق منها بالإنتاج، أو التوزيع والترويج، أو الاستهلاك، وهذا عام في كل محرم وليس الخمر فقط، فتحريم الشرع للبغاء مثلا لا يتناول واقعة الزنا فقط وإنما يشمل كل ما يساعد على هذه الجريمة، وأوجه الاستفادة منها، وإن اختلفت عقوبة كل واحد منهم، ومثل ذلك يقال في السرقة، وقطع الطريق، والغصب، والاتجار بالمخدرات وغيره.
ثامنا: وجوب الإسلام رد المال المكتسب من حرام إلى أصحابه والتبرؤ منه، ولا ريب أن حيازة المال الحرام تتنافى مع ذلك، ومما يدل على ذلك: ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده: عن عطاء أن رجلا سأله عن رجل أصاب مالا من حرام , قال: ليرده على أهله , فإن لم يعرف أهله فليتصدق به , ولا أدري ينجيه ذلك من إثمه.
وعنده أيضا عن عطاء أن رجلا سأله فقال: إني كنت غلاما فأصبت أموالا من وجوه لا أحبها فأنا أريد التوبة , قال: ردها إلى أهلها , قال: لا أعرفهم , قال: تصدق بها , فما لك من ذلك من أجر , وما أدري هل تسلم من وزرها أم لا؟ قال: وسألت مجاهدا فقال مثل ذلك.
وعنده عن الحسن قال: من احتاز من رجل مالا أو سرق من رجل مالا , وأراد أن يرده إليه من وجه لا يعلمه فأوصله إليه , قال: لا بأس.
تاسعا: من القواعد الفقهية التي تفيد هنا قاعدة"ما حرم استعماله حرم اتخاذه، وما حرم أخذه حرم إعطاؤه" [2]
فالمال الحرام سواء تعلق به حق الغير كالمال المغصوب والمسروق والرشوة أم حق الشرع كالميتة والخمر والمخدرات يحرم استعمالها والانتفاع بها لأنها كسب خبيث - كما سيأتي - فيحرم اتخاذها وحيازتها، وما حرم أخذه ككسب البغاء، والرشوة كما يحرم على البغية أو المرتشي أن يأخذه كذلك يحرم على من يفجر بالبغية، أو الرائش أن يدفع المال.
(1) - سنن الترمذي - كتاب البيوع - باب النهي عن أن يتخذ الخمر خلا - رقم - 1295،قال الترمذي:"هذا حديث غريب من حديث أنس وقد روي نحو هذا عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم"سنن ابن ماجه - كتاب الأشربة - باب لعنت الخمر على عشرة أوجه - رقم 3380
(2) - السيوطي، مرجع سابق (150)