فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 104

د - روي أن عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ لما ولي أمر المسلمين، قام بإعطاء المال الذي وجده في بيت المال ممن كان قبله من أمراء الجور ـ وقد وضعه في بيت المال ـ إلى العلماء والفقهاء وغيرهم ممن يستحق العطاء. [1]

وجه الدلالة: أن الإثم لو لم يثبت في ذمة الظالم لما جاز له أن يدفعه إلى غير أهله ممن أخذ منهم ظلما، لكن لما صار مضمونا على جابيه في الذمة دفعه عمر بن عبد العزيز إلى العلماء ومن يستحق العطاء، فيقاس عليه المال المورث، فإن إثم الأخذ يثبت في ذمة المورث فيحل للوارث أن يأخذ المال الحرام ميراثا 0 [2]

ونوقش هذا: بأن القياس على فعل عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ لا يستقيم؛ لأنه رد أموالا لا يعرف أصحابها، وردها على من يستحقها ولم يأخذها لنفسه، ولو كان يعرف أصحابها لردها عليهم.

هـ ـ الاستدلال بالقياس على المال الحرام المغصوب إذا كان عينا وتصرف فيه الغاصب بالبيع أو الهبة فإنه يكون حلالا لمشتريه أو للموهوب فيقاس الوارث على الموهوب له فيطيب المال الموروث له. [3]

ونوقش هذا القياس: بأنه قياس مع الفارق لأن تصرف الغاصب في العين المغصوبة يفوتها على صاحبها ويلزم الغاصب مثلها إذا كانت مثلية أو قيمتها إذا كانت قيمية، فيبقى الغاصب ضامنا لما غصب ولا يفوت حق المالك، والحديث هنا عن أن الورثة يطيب لهم المال الحرام ولا يلتزمون برد الأموال لأصحابها، فلا وجه للاستدلال. [4]

كما أن التصرف في المال المغصوب إن كان لمن يعلم أنه مغصوب فلا يجوز لمشتريه أو المتهب له أخذه ولا قبوله.

ويترجح بعد عرض أقوال أدلة الفريقين رجحان ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وهو القول الذي يستقيم مع الأدلة العامة والقواعد الشرعية التي تحرم الاعتداء على أموال الآخرين وتتوعد على ذلك، فإذا ما فتح الباب لأكل أموال الناس بالباطل عن طريق الرشوة وضرب المكوس والاتجار غير المشروع وعرف الورثة أن المال سيطيب لهم بعد وفاة مورثهم ربما شجعوا المورث على ذلك، والكثير يرتكب المحرمات من أجل ورثته، فَسَدُّ الباب أوجب.

وربما يقال: إن الورثة ربما يكونون في حاجة لهذا المال، وهنا كما قال كثير من الفقهاء يأخذون منه قدر حاجتهم فقط، وفي ذلك تفصيل سيأتي

(1) - ابن رشد الجد - مرجع سابق.

(2) - د. عباس أحمد الباز - أحكام المال الحرام - 76 - دار النفائس-الأردن- ط 1 - 1418 هـ

(3) - العلمي، عيسى بن علي الحسني - النوازل - 2/ 133 - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب.

(4) - د. عباس الباز - مرجع سابق 83

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت