فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 104

أ - روي أن رجلا تولى عملا من أعمال السلطان، فلما مات هذا الرجل، قال أحد الصحابة في ماله الذي اكتسبه أثناء عمله وولايته: الآن طاب ماله. [1]

ونوقش هذا من وجهين:

الأول: قال أبو حامد:"إنه أثر ضعيف؛ لأنه لم يذكر فيه اسم الصحابي، ولعله صدر من متساهل، فقد كان في الصحابة من يتساهل، ولكن لا نذكره لحرمة الصحبة، وكيف يكون موت الرجل مبيحا للحرام المتيقن المختلط ومن أين يؤخذ هذا؟ نعم إذا لم يتيقن يجوز أن يقال: هو غير مأخوذ بما لا يدري، فيطيب لوارث لا يدري أن فيه حراما يقينا" [2]

الثاني: إن هذا القول من هذا الصحابي لا يعدو كونه أكثر من اجتهاد، وأقوال الصحابة واجتهادا تهم لا تكون ملزمة ما لم يدل عليها دليل من نص أو إجماع.

ب - روي عن الحسن البصري أنه دخل على أحد الناس يعوده في مرضه، فجعل يصوب النظر إلى صندوق في بيته، فقال ذلك المريض للحسن البصري: يا أبا سعيد هذه مائة ألف لم أؤد منها زكاة، ولم أصل منها رحما، فقال الحسن البصري لولد ذلك المريض بعد موته: أتاك هذا المال حلالا، فلا يكن عليك وبالا، أتاك عفوا صفوا ممن كان له جموعا منوعا من باطل جمعه، ومن حق منعه" [3] "

ج ـ روي عن ابن شهاب أنه قال فيمن كان على عمل فكان يأخذ الرشوة والغلول والخمس، وفيمن كانت أكثر تجارته الربا:"إن ما ترك من الميراث سائغ لورثته بميراثهم الذي فرضه الله لهم علموا بخبث كسبه أو جهلوه وإثم الظلم على جانيه" [4]

وجه الدلالة من هذين الأثرين: أن وزر كسب المال الحرام لا يكون إلا على مقترف الإثم ومكتسبه، والوارث لا علاقة له بالمورث الذي اكتسب هذا المال، وقد انتقل إليه بسبب مشروع فيطيب له؛ لأنه لا تزروا وازرة أخرى.

ونوقش هذا: بأن كون الوارث لا يتحمل شيئا من أوزار المورث فهذا صحيح إذا لم يعلم الوارث وجود المال الحرام فيما ورث، وحتى لو علم بوجوده فلا وزر عليه، إنما يلحقه الوزر إذا أخذ أو انتفع بمال حرام وهو يعلم ذلك، فالواجب في المال الحرام أن يرد لأصحابه إن عرفوا أو يتبرأ منه بالتصدق به، وإلا فما قيمة حرمة المال، وليس من المعقول أن يكون الميراث سببا في إخراج المال من دائرة الحرام إلى دائرة الحلال، وحيث كان الواجب على المورث في حياته أن يتبرأ من حيازة هذا المال ـ كما سبق تحريره ـ فإن هذا الواجب ينتقل أيضا لورثته.

(1) - أبو حامد الغزالي - الإحياء - 179

(2) - أبو حامد الغزالي - الإحياء - 2/ 179

(3) - ابن رشد الجد، محمد بن أحمد، بن رشد - فتاوى ابن رشد - 1/ 640 - دار الغرب

(4) - ابن رشد الجد - مرجع سابق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت