فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 104

وجه الدلالة: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بإراقة الخمر، وعدم جواز حيازتها، وهي من الأموال المحرمة العين، فيقاس عليها كافة صنوف الأموال المحرمة حيث لا يجوز حيازتها على وجه العدوان.

ـ أن المال الحرام لا يدخل في ملك المسلم، وهذه القاعدة تتعدى إلى كل مسلم، ويد المسلم عليه يد عدوان، ومادام أنه لا يدخل في ملكه فلا ينتقل منه إلى غيره.

ـ الموت لا يطيب المال الحرام، ولا يغير من حقيقته، ولا يصلح الميراث سببا لأن يملك الوارث المال وهو يعلم أن مصدره حرام، وإذا ما قام الورثة بالانتفاع بهذا المال فإنهم يأكلون وينتفعون بمال خبيث؛ وهذا مما حرمه الشرع"يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث"الأعراف (157) بل الواجب فيه الرد إلى المالك تبرئة لذمة المورث، أو التصدق به إن جهل وتعذر معرفته.

ـ المال الحرام يعد بمثابة الدين على المورث حيث كان يجب أن يرده في حياته، ولا يجوز تقسيم التركة قبل الوفاء بالديون.

أما وجوب التصدق به في هذه الحالة فمن وجهين:

الأول: إن الجهل بأصحاب هذه الأموال، أو تعذر معرفتهم يجعلهم كالعدم، وإذا لم نتيقن من إعادتها إليهم فإنفاقها في مصالح المسلمين أولى من إبقائها بأيدي الظلمة يأكلونها , وإذا أنفقت كانت لمن يأخذها بالحق مباحة , كما أنها على من يأكلها بالباطل محرمة.

الثاني: أن هذه الأموال لا تخلو: إما أن تحبس , وإما أن تتلف , وإما أن تنفق. فأما إتلافها فإفساد , والله لا يحب الفساد , وهو إضاعة لها , والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن إضاعة المال , وأما حبسها دائما أبدا إلى غير غاية منتظرة , بل مع العلم أنه لا يرجى معرفة صاحبها ولا القدرة على إيصالها إليه , فهذا مثل إتلافها , فإن الإتلاف إنما حرم لتعطيلها عن انتفاع الآدميين بها , وهذا تعطيل أيضا بل هو أشد منه من وجهين. أحدهما: أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به. الثاني: أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لا بد أن يستولي عليها أحد من الظلمة بعد هذا إذا لم ينفقها أهل العدل والحق , فيكون حبسها إعانة للظلمة وتسليما في الحقيقة إلى الظلمة , فيكون قد منعها أهل الحق , وأعطاها أهل الباطل , ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا , فإذا كان إتلافها حراما وحبسها أشد من إتلافها تعين إنفاقها , وليس لها مصرف معين , فتصرف في جميع جهات البر والقرب التي يتقرب بها إلى الله ; لأن الله خلق الخلق لعبادته , وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته , فتصرف في سبيل الله. [1]

وجه القول الثاني.

(1) - ابن تيمية - الفتاوى الكبرى - 4/ 212، 213

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت