فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 104

النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات القوم فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت ...""

والظاهر من حديث أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم أفسد اللحم وهو حلال في ذاته لكن الحرمة جاءت من كونه منتهبا فدل ذلك على جواز إتلاف المال الحرام وإفساده.

ويرد على الاستدلال ما ذكره ابن حجر في الفتح والنووي في شرح مسلم في شرح حديث رفاعة وهو ما يمكن حمل خبر أبي داودعليه. قال ابن حجر في الفتح:"أمره صلى الله عليه و سلم بإكفاء القدور فإنه مشعر بكراهة ما صنعوا من الذبح بغير إذن. وقال المهلب: إنما أكفأ القدور ليعلم أن الغنيمة إنما يستحقونها بعد قسمته لها؛ وذلك أن القصة وقعت في دار الإسلام؛ لقوله فيها بذي الحليفة. وأجاب بن المنير: بأنه قد قيل أن الذبح إذا كان على طريق التعدي كان المذبوح ميتة. وكأن البخاري انتصر لهذا المذهب، أو حمل الأكفاء على العقوبة بالمال وأن كان ذلك المال لا يختص بأولئك الذين ذبحوا لكن لما تعلق به طمعهم كانت النكاية حاصلة لهم. قال: وإذا جوزنا هذا النوع من العقوبة فعقوبة صاحب المال في ماله أولى. ومن ثم قال مالك: يراق اللبن المغشوش ولا يترك لصاحبه وأن زعم أنه ينتفع به بغير البيع أدبا له انتهى. وقال القرطبي: المأمور بإكفائه إنما هو المرق عقوبة للذين تعجلوا وأما نفس اللحم فلم يتلف بل يحمل على أنه جمع ورد إلى المغانم؛ لأن النهي عن إضاعة المال تقدم والجناية بطبخه لم تقع من الجميع إذ من جملتهم أصحاب الخمس ومن الغانمين من لم يباشر ذلك وإذا لم ينقل إنهم أحرقوه وأتلفوه تعين تأويله على وفق القواعد الشرعية" [1] وقال النووي:"واعلم أن المأمور به من إراقة القدور إنما هو إتلاف لنفس المرق عقوبة لهم وأما نفس اللحم فلم يتلفوه بل يحمل على أنه جمع ورد إلى المغنم ولا يظن أنه صلى الله عليه و سلم أمر بإتلافه لأنه مال للغانمين وقد نهى عن إضاعة المال مع أن الجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقى الغنيمة إذ من جملتهم أصحاب الخمس ومن الغانمين من لم يطبخ. فإن قيل: فلم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم؟ قلنا: ولم ينقل أيضا أنهم أحرقوه وأتلفوه وإذا لم يأت فيه نقل صريح وجب تأويله على وفق القواعد الشرعية وهو ما ذكرناه" [2]

ومما تقدم فإن حديث أبي داود لا يعتبر أصلا في إتلاف المال الحرام وإفساده إذا كان يمكن الانتفاع به على وجه مشروع منعا من إضاعة المال وهي قاعدة في التعامل مع المال.

أما تركه لأصحاب المؤسسات الربوية التي تقوم بدورها إما بتدويره في استثمارات خاصة بها وبذلك يتعاظم ربحها، أو تقدمه للجمعيات الخيرية في بلاد غير المسلمين وفي ذلك من المفاسد ما فيه.

وبهذه المسألة نكون قد وصلنا إلى نهاية البحث، والله تعالى أعلى وأعلم.

(1) -"فتح الباري - ابن حجر - (ج 6 / ص 188) "

(2) - شرح النووري على صحيح مسلم (13/ 126) دار إحياء التراث العربي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت