قلنا: أمّا إنّ وأنّ فمعناهما التأكيد كما ذكر، وأمّا لكنّ فهي وإن فهم منها التأكيد، لكنّ المعنى الذي أُتي بها لأجله الاستدراك، ومعنى الاستدراك مخالفة ما بعدها لما قبلها إيجابا وسلبا، إمّا لفظا ومعنى، كقولنا: قام زيد لكنّ عمرًا [1] لم يقم، أو ما أبوه قائم، أو ما قام زيد لكنّ عمرا قائم، وإمّا معنى دون لفظ، كقولنا: سافر زيد لكنّ عمرا مقيم، فما بعدها وما قبلها وإن كانا موجبين، إلاّ أن معنى قولنا: لكنّ عمرا مقيم، أي: لم يسافر، فخالف ما قبلها في المعنى 0
قوله: كأنّ:
اختُلف فيها هل هي مركبة من كاف التشبيه وأنّ التي كانت مكسورة، أو مفردة؟ ومن قال هي مركبة قال: كان أصلها إنّ زيدا كالأسد، فقدّمنا الكاف لغرض أن يُعلم التشبيه من أول الأمر، ففتحنا همزة إنّ؛ لدخول حرف الجر عليها، والمعنى على الكسر، بدليل عدم احتياجها إلى جزء آخر، كما تحتاج إليه أنّ المفتوحة في قوله [2] :
112 ـ أحقٌّ أنَّ جيرانَنَا استقلُّوا فنيّتُنا ونِيَّتُهم فَريقُ 0 (الوافر)
ونحوه، والفرق بين التمني والترجي أن التمني يكون بما يجوز وقوعه، وبما لا يجوز وقوعه، كقولك: ليتني كنت نبيًا، والترجي لا يكون إلاّ بما يجوز وقوعه 0
وقوله: أنها أشبهت الأفعال:
من [49 أ] الوجه الذي ذكره كلام صحيح، وأشبهتها أيضا من أنّ فيها ما هو على ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة، كما أن الأفعال كذلك، وأنّ أواخرها لازمة الفتح، كما أن آخر الفعل الماضي كذلك، وأنها تتصل بها الضمائر، كما تتصل بالأفعال، تعليله أيضا تقديم المنصوب على المرفوع صحيح، ويجوز أن يقال فيه شيء آخر، وهو أن هذه الحروف
ـ 139 ـ
لمّا أشبهت الفعل شبها قويا أعطيناها الحالة القوية التي للفعل، وهو تقديم المنصوب على المرفوع، إذا كان ذلك إنما يكون في حال تصرف الفعل وقوّته، بخلاف ما ولا إذا كان شبهها ضعيفا، فأعطينا تقديم المرفوع على المنصوب، لا يقال: يلزم من ذلك أن تساوي هذه الحروف الأفعال؛ لأنا نقول: يظهر أثر نقصها على الأفعال، بلزوم تقديم المنصوب،
(1) كتبت: عمرو
(2) للمفضل النكري، ويروى: ألم تر 00، واستقل القوم: ذهبوا وارتحلوا، النية: الوجه الذي ينويه المسافر، فريق: أي مفرقة 0
الكتاب 1/ 136، المفضليات، ص 200، شواهد المغني، ص 170، شرح الأشموني 1/ 237، همع الهوامع 4/ 369، اللسان
مادة (فرق)