لم يكن ملخصا، وقال ابن خروف: إذا قال انته، وقال بعده ما يدل على ضده، كقوله خيرا علم أنه يريد وأت خيرا، وليس كل ما تقصد الأمر بضده، وقال ابن عمرون رحمه الله: وما ذكره ممنوع، وما ذكرنا من الدليل يدل على خلاف ما ذكر، وحمله الكسائي رحمه الله على إضمار كان، تقديره: يكن الانتهاء خيرا لكم، ويمنعه إضمار كان، ولا تضمر في كل موضع، ولذلك لا يصح: أطع الله أفقه الناس، أي تكن أفقه الناس، ولا: انصرنا أخانا، أي: تكن أخانا، ومن جهة المعنى إنّ من ترك ما نهي عنه فقد سقط عنه اللوم، وعلم أن ترك المنهي خير من فعله، فلا فائدة في قوله خيرا، وحمله الفراء رحمه الله على أنه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: انتهوا انتهاء خير لكم، وقال: إن هذا الحذف لم يأت إلاّ فيما كان أفعل، نحو: خيرا لكم وأفضل، واستدل الفراء رحمه الله على ما ذكر بأنك تقول: اتق الله هو خير لك، تريد: الاتقاء خير لك، فإذا هو هو الذي يرتفع به خير [1] ، وصل الفعل فنصبه، ويمنعه من جهة المعنى أن الانتهاء لا يتنوع إلى خير وشر، لأن المطلوب الترك، وقد حصل، فلا فائدة حينئذ في قوله انتهاء خيرا، ومن جهة اللفظ أنه قد جاء في ما ليس مصدرا، وهو قولهم: وراءك أوسع لك [2] ، لأن أوسع لا يصح أن يجعل صفة لمصدر، وإن صحّ فيه وراءك هو أوسع لك، والذي بيّن فساد ما ذهبا إليه قوله تعالى: [ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم] [3] لو حمل على ما قالا، لا يكون خير إلاّ زمن النهي عن التثليث، وكان معطلا، لا يكون خيرا له في قول سيبويه، وإن خيرا يكون أمرا بالتوحيد الذي هو خير، فلله درّ الخليل وسيبويه ما أضلعهما على المعاني، ويقولون حسبك خيرا لك، حسبك إمّا مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: وأت خيرا، لأن حسبك معناه يكفي، ولما أمر [89 ب] [4] بالكف علم أنه محمول على غيره، فقال: خيرا، أي وأت خيرا، كما ذكر لي: انتهوا خيرا لكم خذوا العدة بالعدة 0 ووراءك أوسع لك، وراءك اسم فعل، أي: تأخر، وفي ضده أمامك أي: تقدم، وأوسع منصوب بإضمار فعل، أي: تجد مكانك أوسع لك، أي: وأت مكانا أوسع، لأنه لما نهاه عن التقدم بقوله: وراءك، علم أنه يأمره بإتيان ما هو أوسع له، قيل: إن أصل هذا الكلام أن ابن الحمام الشاعر جاء إلى الحطيئة فقال: السلام عليكم، فقال الحطيئة كلمة تقال وليس لها
ـ 309 ـ
(1) معاني القرآن 1/ 296
(2) الكتاب 1/ 282
(3) النساء 171
(4) لاحظ اختلاف ترقيم المخطوطة